فصل: الفصل الرابع: في الرجوع عن الشهادة في الطلاق والخلع:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحيط البرهاني في الفقه النعماني



.كتاب الرجوع عن الشهادات:

هذا الكتاب يشتمل على ستة عشر فصلًا:
1- في بيان شرط صحة الرجوع عن الشهادة، وفي بيان حكمه.
2- في رجوع بعض الشهود عن الشهادة.
3- في الرجوع عن الشهادة في النكاح.
4- في الرجوع عن الشهادة في الطلاق والخلع.
5- في الرجوع عن الشهادة في النكاح والطلاق والدخول جميعًا.
6- في الرجوع عن الشهادة في العتق والكتابة والتدبير والاستسعاء.
7- في الرجوع عن الشهادة في البيع والهبة.
8- في الرجوع عن الشهادة في الولاء والنسب والولادة.
9- في الرجوع عن الشهادة على الشهادة.
10- في الرجوع عن الشهادة في الحدود والجنايات.
11- في الرجوع عن الشهادة في الهبة والصدقة والرهن والعارية والوديعة والبضاعة والمضاربة والإجارة.
12- في الرجوع عن الشهادة على المال على الدين وعلى الإبراء عن الدين، وما يتصل بذلك.
13- في رجوع الشاهدين عن الشهادة في باب المواريث.
14- في رجوع الشاهدين عن الشهادة في الوصية.
15- في رجوع أهل الذمة عن الشهادات.
16- في المتفرقات.

.الفصل الأول: في بيان شرط صحة الرجوع عن الشهادة وفي بيان حكمه:

أما بيان شرط صحته: فنقول: شرط صحته على الخصوص مجلس القاضي حتى لا يصح الرجوع في غير مجلس القاضي، وشرطه يظهر فيما إذا ادعى المشهود عليه عند القاضي رجوع الشاهد في غير مجلس القاضي، وأنكر الشاهد ذلك، فأراد المشهود عليه إثباته بالبينة، وأراد استحلاف الشاهد ليس له ذلك لما نبين بعد هذا إن شاء الله.
وإذا أقر الشاهد عند القاضي أنه رجع عند غيره صح إقراره، وطريق صحته: أن يجعل هذا رجوعًا مبتدأ من الشاهد، لا أن يعتبر ذلك الرجوع الذي كان في غير مجلس القاضي.
وإنما شرطنا مجلس القاضي، لصحة الرجوع؛ لأن الرجوع فسخ للشهادة، لأن بالرجوع ثبت ضد ما أثبته بالشهادة، وفسخ الشيء إثبات ضده كفسخ البيع وأشباهه، فيعتبر بابتداء الشهادة، ثم شرط لابتداء الشهادة مجلس القاضي، فكذا يشترط لفسخها مجلس القاضي.
وأما بيان حكمه فنقول: رجوع الشاهد إن كان قبل القضاء يصح في حق نفسه وفي حق غيره حتى يجب على الشاهد التعزير، ولا يقضي القاضي بشهادته على المشهود عليه. وإن كان بعد القضاء، كان أبو حنيفة رحمه الله أولًا يقول: ينظر إلى حال الراجع إن كان حاله عند الرجوع أفضل من حاله وقت الشهادة في العدالة صح رجوعه في حق نفسه وفي حق غيره، حتى وجب عليه التعزير، وينقض القضاء ويرد المال على المشهود عليه، ولو كان حاله عند الرجوع مثل حاله عند الشهادة في العدالة، أو دونه يجب عليه التعزير، ولكن لا ينقض القضاء ولا يرد المشهود به على المشهود عليه، ولا يجب الضمان على الشاهد، وهو قول أستاذه حماد رحمهما الله.
ووجه ذلك: أن الرجوع كلام محتمل للصدق والكذب، فلا يجب العمل به ما لم يترجح فيه جهة الصدق على الكذب، وإنما يترجح جهة الصدق في الرجوع إذا كان حال الراجع عند الرجوع في العدالة أفضل. أما إذا كان في حالة العدالة عند الرجوع مثل حاله في العدالة عند الشهادة فلا، وهذا لأنه لو ترجح صدقه في الرجوع بمثل العدالة التي ترجح صدقه بها في الشهادة، فقد ثبت حكمان متنافيان بشيء واحد، لأنه ثبت صدقه في النفي والإثبات بعدالة واحدة، والنفي ضد الإثبات، فلا يجوز إثباتها بشيء واحد. فأما إذا كان حاله في العدالة عند الرجوع أفضل، فقد أثبتنا الصدق في النفي بدليل آخر غير الذي أثبتنا الصدق به في الإثبات وإنه جائز. وإذا كان حاله عند الرجوع في العدالة أفضل حتى يترجح جهة الصدق في الرجوع يترجح جهة الكذب في الشهادة، ويتبين أن القضاء حصل بغير حجة فيجب نقضه.
ثم رجع عن هذا القول. وقال: لا يصح رجوعه في حق غيره على كل حال حتى لا ينقض القضاء ولا يرد المشهود به على المشهود عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، ووجه ذلك: أن الراجع برجوعه يقر على نفسه وعلى غيره:
يقر على نفسه: فإنه يقر أنه شهد بغير حق واستهلك على المشهود عليه ماله بغير حق وصار مستوجبًا التعزير والضمان، ويقر على غيره: فإنه يقر أن القاضي قضى بغير حق وأن المشهود له أخذ ماله بغير حق، وإقرار الإنسان على نفسه صحيح وإن كان المقر فاسقًا، وإقراره على غيره لا يصح وإن كان عدلًا، فصارفي حق هذا القاضي وجود هذا الرجوع وعدمه بمنزلة، وبهذا تبين لنا (أنه) يثبت الصدق في الرجوع بدليل زائد على ما أثبتنا الصدق به في الشهادة، وهو كونه إقرارًا على نفسه، فصدقه في الرجوع ثابت بالعدالة وبكونه إقرارًا على نفسه.
وإذا صح رجوع الشاهد ينظر بعد هذا إن لم يكن المشهود به مالًا، بأن كان قصاصًا أو نكاحًا، فلا ضمان على الشاهد عند علمائنا رحمهم الله، وإن صار الشاهد متلفًا لذلك بشهادته. وإن كان مالًا، فإن كان الإتلاف بعوض يعادله، فلا ضمان على الشاهد أيضًا، لأن الإتلاف بعوض كلاإتلاف وإن كان بعوض لا يعدله، فبقدر العوض لا ضمان ويجب الضمان فيما وراءه، فإن كان الإتلاف بغير عوض أصلًا يجب ضمان الكل، وهذا لأن في الإتلاف الحقيقي إنما يجب الضمان على المتلف جبرًا لحق المتلف عليه، وهذا المعنى موجود في الإتلاف الحكمي الحاصل بالشهادة.
ثم إن كان المشهود به عينًا فللمشهود عليه أن يضمن الشاهد بعد الرجوع قبض المشهود له العين من المشهود عليه أو لم يقبض بعد، وإن كان المشهود به دينًا، فليس للمشهود عليه أن يضمن الشاهد للحال، وإنما يضمنها إذا استوفى المشهود له ذلك من المشهود عليه. هكذا ذكر شيخ الإسلام في (شرحه).
الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرحه) سوى بين العين والدين، وقال: «ليس للمشهود عليه أن يضمن الشاهد في فصل العين قبل أن تؤخذ العين من يده»، كما في فصل الدين.
والفرق على ما ذكره شيخ الإسلام: أن ما يجب على الشاهد من الضمان عند الرجوع ضمان إتلاف، وضمان الإتلاف مقيد بالمثل فمتى كان المشهود به عينًا فالشهود أزالوه عن ملكه بشهادتهما عند اتصال القضاء بها، ألا ترى أن تصرف المشهود عليه فيه بعد ذلك لا ينفذ؟ فلو أزلنا العين عن ملكيهما بأخذ الضمان منهما لا تنتفي المماثلة، أما إذا كان المشهود به دينًا، فالشهود ما أزالا عينًا عن ملكه، بل أوجبا عليه دينًا بغير حق، فلو استوفيا الضمان من الشهود قبل أن يستوفي المشهود له ذلك من المشهود عليه تنتفي به المماثلة؛ لأن المستوفى يكون عينًا، والعين خير من الدين، وينظر إلى قيمة المشهود (به) يوم القضاء، لأن وجوب الضمان عليهما بالإتلاف، والإتلاف حصل بالقضاء، فتعتبر القيمة يوم القضاء.
وإذا كان الرجوع عن الشهادة في مرض الشاهدين، وقضى القاضي بالضمان عليهما، فذلك بمنزلة إقرارهما بالدين في المرض، حتى لو ماتا من مرضهما وعليهما ديون الصحة بُدئ بديون الصحة؛ لأن ما وجب عليهما في المرض وجب بإقرارهما أنهما شهدا بزور، وكان دين المرض من هذا الوجه.
وإذا ادعى المشهود عليه الرجوع على الشاهد، وأراد استحلافه أو إثباته بالبينة، فهذا على وجهين:
الأول: أن يدعي الرجوع عند غير القاضي وفي هذا الوجه لا يستحلف الشاهد ولا يسمع بينة المشهود عليه على ذلك؛ لأنه يدعي رجوعًا باطلًا لا يتعلق به حكم؛ لأن الرجوع في غير مجلس القضاء باطل فلم تصح دعواه، فلا يترتب عليه التحليف وسماع البينة.
الوجه الثاني: أن يدعي رجوعًا في مجلس قاض آخر، وإنه على وجهين أيضًا:
الأول: أن يدعي رجوعهما عند قاض، ولا يدعي قضاء القاضي عليهما بالرجوع، وفي هذا الوجه لا يستحلف أيضًا، و(لا) تسمع بينة المشهود عليه؛ لأن دعواه لم تصح، لأنه ادعى رجوعًا غير موجب الضمان؛ لأن الرجوع عن الشهادة لا يصير موجبًا الضمان قبل قضاء القاضي، لأن الرجوع فسخ الشهادة فيعتبر بالشهادة، والشهادة لا توجب الحكم قبل اتصال القضاء بها حتى لو أراد المدعي إثبات ما شهد به الشهود عند قاض في مجلس قاض آخر بالبينة ليقضي له بذلك القاضي الآخر لا يسمع بينته، فكذا الرجوع لا يصير موجبًا الضمان قبل اتصال القضاء به، فهو معنى قولنا: إن دعواه لم تصح.
الوجه الثاني: أن يدعي رجوعًا، وقضاء القاضي عليه بالرجوع، وفي هذا الوجه يستحلف الشاهد وتسمع بينة المشهود عليه على ذلك، لأن الدعوى قد صحت، لأنه ادعى رجوعًا موجبًا للضمان، فيترتب عليه التحليف وسماع البينة، وإذا رجع الشاهد عن شهادته عند غير القاضي الذي شهد عنده أول مرة، فقامت عليه البينة بالرجوع وبقضاء القاضي عليه بالضمان، فهذا القاضي ينفذ ذلك عليه، فيأمره بأداء الضمان، وكذلك لو شهد عليه شاهدان عند القاضي أنه أقر أنه رجع عند قاض من القضاة، وقضى عليه بالضمان، فهذا القاضي يقضي بهذه الشهادة ويلزمه الضمان والله أعلم.

.الفصل الثاني: في رجوع بعض الشهود عن الشهادة:

يجب أن يعلم أن العبرة في باب الرجوع عن الشهادة في حق بقاء الحق ووجوب الضمان لبقاء من بقي لا لرجوع من رجع، حتى إنه إذا شهد ثلاثة نفر على رجل بدين ألف درهم مثلًا، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم رجع اثنان منهم ضمنا نصف المال، ولو رجع واحد منهم فلا ضمان على الراجع، وهذا لأن وجوب الحق في الحقيقة بشهادة الشاهدين، لأن ما زاد على الشاهدين في هذه الحقوق فضل في حق القضاء إلا أن الشهود إذا كانوا أكثر من الاثنين يضاف القضاء ووجوب الحق إلى الكل لضرورة المزاحمة لاستواء حالهم، فإذا رجع واحد منهم زالت المزاحمة لزوال الاستواء، فظهر أن القضاء كان مضافًا إلى شهادة المثنى.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا شهد بالحق ثلاثة ورجع واحد منهم، فقد بقي من يقوم بشهادته جميع الحق، فلا يضمن الراجع شيئًا، وإذا رجع الاثنان منهم، فقد بقي من يقوم بشهادته نصف الحق، فكان التالف بشهادة الراجعين نصف الحق، فيجب ضمان ذلك النصف عليهما لاستوائهما في ذلك.
وإن شهد رجل وامرأتان ثم رجعت المرأتان، فعليهما نصف المال؛ لأن المرأتين قامتا مقام رجل، وكأنه شهد بالحق رجلان فرجع واحد منهما، وهناك يجب على الراجع نصف الحق؛ لأنه بقي من يقوم بشهادته نصف الحق، وإن رجعت واحدة من المرأتين فعليها ربع المال؛ لأنه بقي من يقوم بشهادته ثلاثة أرباع المال.
ولو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا، فلا ضمان على المرأة؛ لأن المرأة الواحدة لا شهادة لها فيما يطلع عليه الرجال، فلا يضاف ثبوت الحق إلى شهادتها.
وإن شهد رجلان وامرأتان ثم رجعوا، فعلى المرأتين ثلث الضمان، لأن شهادة المرأتين حالة الاختلاط بمنزلة شهادة رجل واحد؛ فكأنه شهد بالحق ثلاثة رجال.
وإن شهد رجل واحد وعشر نسوة، ثم رجعوا فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: النصف على الرجل والنصف على النسوة، لأن النسوة وإن كثرن أقمن مقام رجل واحد، كما في حالة الانفراد حتى إن النسوة وإن كثرن لا يقطع الحكم بشهادتهن فكذا في حالة الاجتماع، وصار تقدير مسألتنا: كأن رجلين شهدا ثم رجع واحد منهم، وعند أبي حنيفة الضمان عليهم أسداسًا: سدسه على الرجل وخمسة أسداسه على النسوة؛ لأن حالة الاختلاط كل اثنتين من النسوة أقمن مقام رجل، ألا ترى أنه يقطع الحكم بشهادة رجل وامرأتين كما يقطع بشهادة رجلين، وصار تقدير مسألتنا: كأنه شهد ست رجال، ورجع خمسة.
وإن رجع ثمان نسوة فلا ضمان عليهن، وإن رجعت امرأة بعد الثمان فعليها وعلى الثمان ربع المال، وإن رجعت العاشرة بعد ذلك فعليها وعلى التسع ضمان نصف المال.
وإن شهد رجل وثلاث نسوة ثم رجع الرجل مع امرأة، فإنه يجب ضمان نصف المال، ويكون ذلك على الرجل خاصة عندهما؛ لأن النسوة وإن كثرن فعندهما أقمن مقام رجل واحد حالة الاختلاط والانفراد جميعًا، فكان نصف المال ثابتًا بشهادة النسوة، والنصف ثابتًا بشهادة النسوة والنصف ثابتًا بشهادة الرجل، فإذا بقي امرأتان على الشهادة فقد بقي منهن من يقوم بشهادتهما نصف المال، فعرفنا أن الحجة قد بطلت في حق النصف الثابتة بشهادة الرجل خاصة، فكان ضمان ذلك عليه.
وعلى قياس قول أبي حنيفة رحمه الله يجب أن يكون ضمان ذلك النصف على الرجل والمرأة الراجعة أثلاثًا؛ لأن عنده كل ثنتين من النساء حالة الاختلاط أقمن مقام رجل واحد، فكأن كل امرأة قائمة مقام نصف رجل، فإذا كانت المرأة ثلاثًا والرجل واحد، فكأنه شهد رجلان ونصف رجل، ثم رجع رجل ونصف رجل، ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا رجعوا جملة فهذه الصورة كان الضمان على الرجل و(المرأتين) أخماسًا والله أعلم.

.الفصل الثالث: في الرجوع عن الشهادة في النكاح:

إذا ادعت المرأة نكاحها على رجل، وأقامت على ذلك بينة، وقضى القاضي بالنكاح بينهما، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما، فإنه ينظر إلى مهر مثلها وإلى المسمى، فإن كان مهر مثلها مثل المسمى الذي شهد به الشهود أو أكثر من المسمى، فإنهما لا يضمنان للزوج شيئًا؛ لأنهما أوجبا المهر بعوض يعدله إن كان مهر مثلها مثل المسمى، وبعوض يزيد عليه إن كان مهر مثلها أكثر من المسمى، والإيجاب بعوض يعدله لا يوجب على الشاهد شيئًا.
فإن قيل: منافع البضع كيف تصلح عوضًا عن المهر، وإن المهر عين مال، ومنافع البضع ليست بعين مال؟ (بدليل أنه يثبت الحيوان دينًا في الذمة بدلًا عنها) قلنا: منافع البضع حالة الدخول في الملك أعطي لها حكم المال شرعًا، بدليل أن الشرع جوز للأب أن يزوج ابنه الصغير امرأة بمهر مثلها من مال الصغير، والوالد لا يملك إزالة ملك الصغير إلا بعوض يعدله، ألا ترى أنه لو خالع ابنته الصغيرة بمالها لم يجز، وإن كان المسمى مثل مهر مثلها، فلما جوز الشرع للأب النكاح لابنه الصغير علمنا أن منافع البضع اعتبرت مالًا عند الدخول في الملك، فصلحت عوضًا هذا إذا كان مهر مثلها مثل المسمى أو أكثر.
أما إذا كان مهر مثلها أقل من المسمى، بأن كان مهر مثلها ألفًا والمسمى ألفين، فإنهما يضمنان ألف درهم للزوج؛ لأنهما أتلفا على الزوج قدر ألف درهم من غير عوض.
قال: وإن ادعى رجل على امرأة النكاح، وأقام على ذلك بينة، والمرأة جاحدة، فقضى القاضي عليها بالنكاح بالبينة، ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما لا يضمنان للمرأة سواء كان المسمى مثل مهر مثلها أو أكثر أو أقل، وكان ينبغي أن يضمنا لها ألف درهم؛ لأنهما أتلفا الزيادة على المسمى من منافع بضعها بغير عوض من حيث الحكم، وإتلاف منافع البضع حقيقة بغير عوض يوجب الضمان. كما قالوا في المجنون: إذا أكره المرأة فزنى بها فإنه يجب العقر، فكذلك الإتلاف من حيث الحكم، يجب أن يوجب الضمان، والجواب القياس أن لا يضمن منافع البضع بالإتلاف الحقيقي؛ لأن ما ليس بمال لا يضمن بالمال بقضية القياس وإنما وجب المال ثمة شرعًا تعظيمًا لأمر البضع، والنص الوارد في الإتلاف الحقيقي بخلاف القياس لا يكون واردًا في الإتلاف الحكمي؛ لأن الإتلاف الحكمي دون الإتلاف الحقيقي، فرد هذا إلى ما يقتضيه القياس، وقضية القياس أن لا يضمن ما ليس بمال بالمال.
وإذا ادعى رجل على امرأة بأنه تزوجها بمئة درهم، وقالت المرأة: لا بل تزوجتني بألف درهم ومهر مثلها ألف درهم، فشهد شاهدان أنه تزوجها على مئة درهم، فقضى القاضي بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما، فهذا على وجهين:
أما إن رجعا قبل الطلاق، أو بعد الطلاق، فإن رجعا عن شهادتهما حال قيام النكاح، ذكر أنهما يضمنان للمرأة تسعمئة في قول أبي حنيفة ومحمد، ولا يضمنان شيئًا عن أبي يوسف، وهذه المسألة فرع لمسألة ذكرها في النكاح، وهو أن الزوجين متى اختلفا في مقدار المسمى، فالقول قول من شهد له مهر المثل عند أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف: القول قول الزوج في الأحوال كلها، إلا أن يدعي شيئًا مستنكرًا جدًا، وهو أن يدعي دون العشرة، وهاهنا مهرها ألف درهم، وإذا كان القول قول المرأة أن مهرها ألف درهم عندهما كان المستحق لها على الزوج ألف درهم، فهما بشهادتهما أبطلا عليها تسعمئة بغير عوض، فيضمنان ذلك للمرأة إذا رجعا، وعلى قول أبي يوسف المستحق للمرأة مئة درهم كما يقول الزوج، لأنه لم يدع شيئًا مستنكرًا، وإذا لم يكن ما زاد على المئة مستحقًا لها قبل شهادتهما، فهما بشهادتهما لم يبطلا على المرأة شيئًا مستحقًا لها، فلا يضمنان لها شيئًا في قول أبي يوسف، هذا إذا رجعا قبل الطلاق.
فإن رجعا بعد الطلاق فهذا على وجهين: أما إن رجعا قبل الدخول بها أو بعد الدخول بها، فإن كان بعد الدخول بها فالجواب فيه كالجواب حال قيام النكاح؛ لأن المستحق لها قدر مهر مثلها، وهو ألف درهم عندهما، فأما إذا كان الطلاق قبل الدخول بها، فإنهما لا يضمنان للمرأة شيئًا عندهم جميعًا، لأن الواجب لها بالنكاح متى ورد الطلاق قبل الدخول بها في مثل هذه الصورة المتعة، لأن التسمية لم تثبت لاختلافهما، فيجب تحكيم المتعة عندهما، والظاهر أن متعتها لا تزيد على خمسين درهمًا وقد قضينا لها بخمسين، حتى لو زاد ضمنا لها الزيادة على خمسين عندهما، وعند أبي يوسف القول قول الزوج في الأحوال كلها، فيكون لها خمسون درهمًا، متى طلقها قبل الدخول بها لا غير.
شاهدان شهدا على امرأة أن فلانًا تزوجها على ألف درهم، وقبضت ذلك وهي تنكر، ومهر مثلها خمسمئة فقضى القاضي بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما ضمنا مهر المثل دون المسمى، ولو وقعت الشهادة بالعقد بألف أولًا، فقضى القاضي به ثم شهدا بقبض الألف، وقضى القاضي به، ثم رجعا عن الشهادتين ضمنا للمرأة المسمى؛ لأن منافع البضع حال دخولها في ملك الزوج اعتبرت أموالًا متقومة ضرورة مقابلتها بما هو متقوم وهو المهر كالبيع في باب البيع، فيضمنان قيمة البضع في أحد الفصلين والمسمى في الآخر.
والفرق بين الفصلين: أن الضمان إنما يجب على الشهود بسبب الإتلاف؛ والشاهد إنما يصير متلفًا ما دخل تحت قضاء القاضي، والداخل تحت القضاء في الفصل الأول نفس النكاح لا المهر؛ لأن الشهود إنما شهدوا بالنكاح بمهر مقبوض، وفي مسألة القاضي لا يقضي بالمهر؛ لأنه مقترن بالقضاء بالمهر ما يمنع القضاء بالمهر وهو كون المهر مقبوضًا، فصار الشاهد بشهادته متلفًا على المرأة منافع بضعها لا المهر، فيضمنان قيمة منافع بضعها وهي مهر المثل، أما في الفصل الثاني القاضي قضى بالمهر حين قضى بالنكاح، لانعدام ما يمنع القضاء به وهو كون المهر مقبوضًا، فلم تكن الشهادة بالنكاح ولا القضاء به إتلافًا لمنافع بضعها، لأنه قابل منافع بضعها عوضًا فوقها فبقيت الشهادة بالقبض بعد ذلك إتلافًا للمهر عند القضاء، فإذا رجع الشاهدان عن شهادتهما صارا متلفين للمهر فيغرمان ذلك.

.الفصل الرابع: في الرجوع عن الشهادة في الطلاق والخلع:

وإذا شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته واحدة، وشهد آخر أنه طلقها ثلاثًا، ولم يكن الزوج دخل بها، وقضى القاضي بالفرقة وبنصف المهر، ثم رجعوا عن شهادتهم، فلا ضمان على شهود الواحدة، وعلى شهود الثلاث نصف المهر، لأن القضاء هاهنا ما وقع بشهادة شهود الواحدة، وإنما وقع بشهادة شهود الثلاث.
بيانه: أنه تعذر القضاء بالشهادتين؛ لأنه لو قضى بهما، فإنما يقضي بأن يجعل الواحدة سابقة على الثلاث؛ لأنه لا يتصور بعد إيقاع الثلاث، والقضاء بالواحدة ثم بالثلاث لا يفيد؛ لأن حكم الواحدة حرمته حقيقة ولا تثبت هذه الفائدة مع القضاء بالثلاث، والقاضي لا يشتغل بما لا يفيد، فلا يقضي بالواحد لعدم الفائدة.
وإذا شهد شاهدان على رجل قد دخل بامرأته أنه طلقها ثلاثًا، وفرق القاضي بينهما، وألزم الزوج بالمسمى، ثم رجعا عن شهادتهما فلا ضمان عليهما للزوج.
ولو شهدا بالطلاق وكان ذلك قبل الدخول بها، وفرق القاضي بينهما وألزم الزوج بنصف المسمى، إن كان في النكاح تسمية، أو المتعة إن لم يكن في النكاح تسمية ثم رجعا فإنهما يضمنان ذلك للزوج.
والفرق: أن في الطلاق قبل الدخول إنما وجب الضمان على الشاهد عند الرجوع بدلًا عما (نفيًا) عليه من نصف المهر بعد وجود سبب السقوط وهو الفرقة الجائية، (لأن) الزوج قبل الدخول بها إذ الإبقاء بعد وجود سبب السقوط في معنى إيجاب مبتدأ، فإنما ضمنا نصف المهر بدلًا عما أوجبا عليه، لا بدلًا عما أتلفا عليه من منافع البضع، وفي الطلاق بعد الدخول بها لا يمكننا إيجاب الضمان بدلًا عما أوجبا عليه؛ لأنهما لم يؤكدا عليه مالًا بعد وجود سبب السقوط لو وجب الضمان وجب بدلًا عما أتلفا عليه من منافع البضع، ولا وجه إليه؛ لأن القياس يأبى إيجاب الضمان بمقابلة المنافع؛لأن المنافع ليست بمال ولا مماثلة بين المال وغير المال، وإيجاب الضمان يعتمد المماثلة.
وإذا شهد شاهدان على امرأة لم يدخل بها زوجها أنها اختلعت من زوجها على أن أبرأته عن المهر، والمرأة تجحد، والزوج يدّعي، وقضى القاضي بشهادتهما، ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يضمنان للمرأة نصف المهر؛ لأنه لولا شهادتهما لكان يقضي لها بنصف المهر لوقوع الفرقة قبل الدخول بإقرار الزوج، فهما بشهادتهما أتلفا ذلك النصف عليهما وقد أتلفاه بغير عوض؛ لأن ما أدخلا في ملكها من منافع البضع لا يصلح عوضًا عما أتلفا عليه من المال.
ولو كان الزوج قد دخل بها، وباقي المسألة بحاله ضمنا للمرأة جميع المهر، لأنه لولا شهادتهما لكان يقضي لها بجميع المهر لوقوع الفرقة بإقرار الزوج بعد الدخول بها، فهما بشهادتهما أبطلا على المرأة ذلك، وقد أبطلاه بغير عوض لما ذكرنا فيضمنان ذلك.
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته عام أول في رمضان قبل أن يدخل بها، فأجاز القاضي ذلك وألزمه نصف المهر، ثم رجعا عن شهادتهما، فضمنهما القاضي نصف المهر، أو لم يضمنهما حتى شهد شاهدان على الزوج أنه طلقها عام أول في شوال قبل الدخول بها؛ لم تقبل شهادة الفريق الثاني؛ لأنهم شهدوا بطلاق باطل، لأنه متى طلقها قبل الدخول بها في رمضان لا يتصور أن يطلقها بعد ذلك في شوال، فلا تقبل شهادة الفريق الثاني، وإذا لم تقبل فكأنه شهد بها الفريق الأول لا غير ثم رجعا، ولو كان كذلك كان الضمان عليهم فكذلك هذا.
ولو أقر الزوج بذلك عند القاضي لم يكن على الشاهدين ضمان، ويرد عليهما ما كانا ضمنا له، ويجب أن يكون هذا قول أبي يوسف الآخر ومحمد، فأما على قول أبي حنيفة: فإنه لا يرد عليهما ما أخذ منهما من الضمان.
وهذا لأن مذهب أبي حنيفة أن قضاء القاضي بالطلاق بشهادة الزور ينفذ ظاهرًا وباطنًا، وإذا نفذ قضاء القاضي بالطلاق في رمضان ظاهرًا وباطنًا لم يصح إقراره أنه طلقها في شوال من هذا العام، وإذا لم يصح إقراره بقي التلف مضافًا إلى شهادتهما لا إلى إقراره.
وعندهما: القضاء بشهادة الزور نفذ ظاهرًا ولم ينفذ باطنًا، وإذا لم ينفذ باطنًا، بقيت منكوحة لزوجها إلى شوال؛ وإذا بقي النكاح إلى شوال عندهما في الباطن كان إقرار الزوج بالطلاق في شوال إقرارًا صحيحًا، فكان التلف مضافًا إلى إقرار الزوج لا إلى الشهادة.
وقد أشار إلى الخلاف في بعض نسخ هذا الكتاب، ثم قال: في هذا يخالف الإقرار، وهذا لأن كذب الفريق الأول مما لم يعلم به الفريق الثاني، ومن لا علم له بكذب الشهود في الحقيقة فالقضاء في حقه يعتبر نافذًا ظاهرًا وباطنًا، كما قالوا في شاهدين شهدا بطلاق امرأة وقضى القاضي بذلك، إذا تزوجها أجنبي وسعه وطؤها ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه لا يعلم كذب الشهود، فكذا في الفريق الثاني من الشهود نفس القضاء نافذ ظاهرًا وباطنًا، فيعتبر القضاء في حقه نافذًا ظاهرًا وباطنًا، وإذا نفذ ظاهرًا وباطنًا لم تصح شهادة الفريق الثاني، فأما الإقرار فقد وجد من الزوج، وإنه يعلم كذب الشهود على الحقيقة، فيجيء التفصيل في حقه أن القضاء في حقه نفذ ظاهرًا أم باطنًا؟
قال محمد رحمه الله في (الجامع): رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها حتى شهد شاهدان على الزوج أنه طلقها وفرق القاضي بينهما، وقضى القاضي بنصف المهر، ثم مات الزوج، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما فإنهما يغرمان لورثة الزوج (، و) نصف المهر؛ لأن ورثة الزوج قاموا مقام الزوج، والزوج لو كان حيًا ورجع الشهود عن الشهادة غرموا للزوج نصف المهر، فكذا لمن قام مقامه، ولا يغرمان لورثة الزوج قيمة منافع بضعها، لأن الزوج لو كان حيًا لكان لا يغرمان له ذلك لما عرف أنه لا قيمة لمنافع البضع عند الخروج عن ملك الزوج، فكذا لا يغرمان ذلك لورثته. قال: ولا يغرمان للمرأة ما زاد على نصف المهر. هكذا ذكر في (الكتاب).
قال مشايخنا: وهذا إنما يستقيم على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الشاهدين عند الرجوع وإن زعما الطلاق لم يكن، فقد وقع طلاق مبتدأ بقضاء القاضي فيعتبر بما لو وقع بإيقاع الزوج ولو وقع بإيقاع الزوج لم يكن لها إلا نصف المهر كذا إذا وقع بإيقاع القاضي.
فأما على قول أبي يوسف آخرًا وهو قول محمد: لم يقع الطلاق مبتدأ بقضاء القاضي، فكان في زعم الشاهدين أن حقها باق في جميع المهر، وإنما فات عليها إمكان الأخذ فيما زاد على النصف بشهادتهما، فكانا مقرين للمرأة بالضمان فيما زاد على النصف فيغرمان ذلك.
قال: ولا ميراث للمرأة، أما إذا كانت تدعي الفرقة فظاهر، وأما إذا كانت تجحد فلوقوع الفرقة بينهما بقضاء القاضي في حال حياة الزوج؛ وهذا إنما يستقيم على قول أبي حنيفة.
أما على قول أبي يوسف آخرًا وهو قول: محمد يجب أن يكون لها حصتها من الميراث؛ لأن في زعمها أن الزوج لم يطلقها وقد صدقها الزوج في ذلك حيث غرم الشهود، ولم يقع الطلاق مبتدأ بقضاء القاضي لعدم نفاذ القضاء باطنًا عندهما فبقيت الزوجة عند الموت فيكون لها الميراث.
وأما على قول أبي حنيفة وقع طلاق مبتدأ بقضاء القاضي لنفاذ القضاء باطنًا عنده، فيعتبر بما لو وقع بإيقاع الزوج، ولو وقع بإيقاع الزوج لا ميراث لها لكون الطلاق قبل الدخول، فكذا إذا وقع بإيقاع القاضي.
ويستوي في حق هذا الحكم أن يكون الزوج صحيحًا أو مريضًا عند أبي حنيفة رحمه الله: لأن الزوج لم يصر فارًا، فإنه لم يطلقها، وإنما وقع الطلاق بقضاء القاضي بالطلاق قبل الدخول بها، ولو طلقها الزوج بنفسه قبل الدخول بها فلا يصير فارًا، فإذا طلقها القاضي أولى، وإذا لم يوجد من الزوج الفرار لا يكون لها الميراث ما لم يكن النكاح قائمًا عند موت الزوج، والنكاح قد ارتفع قبل موت الزوج بالطلاق الواقع.
ثم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا لم يكن لها الميراث لم يغرم الشاهدان نصيبها من الميراث وإن أبطلا عليها النكاح الذي هو سبب الميراث، لأنهما إنما أبطلا النكاح حال حياة الزوج، والنكاح حال حياة الزوج ليس بسبب الإرث، فما أبطلا عليها ما هو سبب الإرث فلا يضمنان لذلك، هذا إذا شهدا بذلك حال حياة الزوج.
فأما إذا شهدا بذلك بعد موت الزوج والباقي بحاله ضمنا لها نصف الصداق، لأن صداقها تأكد كله بموت الزوج ظاهرًا، فهما بشهادتهما أبرأا الزوج عن نصف المهر، فصارا متلفين ذلك عليها فغرما لها ذلك، ويغرمان لها حصتها من الميراث، لأن الميراث صار حقًا لها بموت الزوج من حيث الظاهر، فهما بشهادتهما أتلفا عليها الميراث بغير حق، فيضمنان ذلك عند الرجوع، بخلاف المسألة الأول، فإن في المسألة الأولى لم يتلفا عليها الميراث؛ لأنها لم تستحق بعد، لم يتلفا عليها أيضًا ما هو سبب الإرث على ما مر، فلهذا لا يضمنان لها شيئًا ولا يضمنان للورثة شيئًا في هذه المسألة؛ لأنهما ما أتلفا على الزوج شيئًا بل أبرأاه عن نصف المهر.

.الفصل الخامس: في الرجوع عن الشهادة في النكاح والطلاق والدخول:

وإذا شهد رجل وامرأتان على طلاق امرأة، وشهد رجل وامرأتان على دخوله بها، وقضى القاضي بالطلاق والصداق، ثم رجعوا جميعًا عن شهادتهم، فإن على شاهدي الدخول ثلاثة أرباع المهر، وعلى شاهدي الطلاق ربع المهر، لأن شاهدي الطلاق شهدا بنصف المهر وقد شهد بهذا النصف شهود الدخول أيضًا؛ لأنهما شهدا بجميع المهر فكانا شاهدين بهذا النصف، وعند الرجوع ضمان هذا النصف عليهما على كل فريق نصفه وهو ربع الكل، وقد تفرد شاهد الدخول بالشهادة بنصف المهر، فكان ضمان ذلك النصف عليهما خاصة، فكان على شاهدي الدخول ثلاثة أرباع المهر من هذا الوجه.
فإن قيل: كيف يجب الضمان على الفريقين وإنهم بشهادتهم ما أوجبوا المهر ابتداءً بل أبقوا ما كان عليه بعقد النكاح؟.
قلنا: لأن هذا الإبقاء كان بعد وجود سبب السقوط، بيانه: أن من زعم الشهود عند الرجوع أن الفرقة ما كانت من قبل الزوج بل من قبل القاضي، والفرقة الجائية لا من جهة الزوج توجب سقوط كل الصداق، كما لو ارتدت قبل الدخول بها، فلولا شهادتهم بالدخول أو بالطلاق لكان يسقط جميع الصداق عن الزوج، وإنما بقي جميع المهر في زعم شاهدي الدخول بشهادتهما، ونصف المهر في زعم شاهدي الطلاق بزعمهما، والإبقاء بعد وجود سبب السقوط في معنى إيجاب مبتدأ، فإنما وجب الضمان عليهم من هذا الوجه.
ولو رجع الرجل الشاهد على الدخول وحده فعليه ربع المهر؛ لأن نصف المهر ثبت بشهادة شاهدي الدخول وشاهدي الطلاق، وقد بقي شاهدا الطلاق على شهادتهما بذلك النصف، فلا يضمن الراجع من ذلك النصف شيئًا، والنصف الآخر تفرد به شاهدا الدخول، وقد بقي من يقوم بشهادته نصف ذلك النصف وهو المرأتان، فكان التالف بشهادة هذا الراجع نصف ذلك النصف وهو الربع، فكان عليه ضمان الربع من هذا الوجه، ولو رجع شهود الدخول كلهم فعليهم ضمان النصف الذي تفردوا بالشهادة به.
ولو لم يرجع شهود الدخول إنما رجع شهود الطلاق فلا شيء عليهم؛ لأنه بقي على الشهادة من يقوم بشهادته جميع ما شهد به شهود الطلاق، ولو لم يرجعوا على هذا الوجه، وإنما رجعت امرأة من شهود الدخول، وامرأة من شهود الطلاق، فلا ضمان على الراجعة من شهود الطلاق، وعلى الراجعة من شهود الدخول ثُمُن المهر وهو ربع النصف الذي تفرد به شهود الدخول.
وإذا اتفق الزوجان على أصل النكاح واختلفا في التسمية فقال الزوج: تزوجتها بغير شيء، وقالت المرأة: تزوجتني بألف درهم وجاءت بشاهدين شهدا أنه تزوجها بألف درهم وقضى القاضي بشهادتهما، ثم طلق الزوج المرأة عند القاضي، ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما ضمنا للزوج فضل ما بين المئة، إلى تمام الخمسمئة التي غرمها الزوج، لأنه لولا شهادتهما بالتسمية لكان يتخلص الزوج بالمتعة، فإنما لزمه الزيادة على المتعة بشهادتهما بالتسمية، وهذه زيادة حصلت بغير عوض، لأن ثبوت النكاح غير مضاف إلى شهادتهما ليجعل ما حصل للزوج من ملك منافع البضع عوضًا عما أوجبا عليه، لأن النكاح كان ثابتًا قبل شهادتهما بتصادق الزوجين، بخلاف ما إذا كان الزوج جاحدًا، لأن هناك ثبوت الملك في منافع بضعها للزوج مضاف إلى شهادتهما؛ لأن ملك النكاح لم يكن ثابتًا قبل شهادتهما، فكان ذلك إيجابًا بعوض.
ولو شهد آخران على الدخول قبل الطلاق، ثم طلقها الزوج وألزم القاضي الزوج ألف درهم، ثم رجعوا، فعلى شاهدي الدخول خمسمئة خاصة لا يشاركهما فيها شاهدا التسمية، لأنه لولا شهادة شاهدي الدخول لكان برئ الزوج عن خمسمئة مما أوجبا عليه شاهدا التسمية بالطلاق قبل الدخول، فإنما بقي ملك الخمسمئة بشهادة شاهدي الدخول، وكان ضمان ذلك عليهما خاصة، وعلى شاهدي الدخول وشاهدي التسمية فضل ما بين المتعة إلى تمام الخمسمئة الأخرى نصفان؛ لأن لزوم ذلك القدر للزوج بشهادة الفريقين لولا شهادتهم لكان يتخلص الزوج بقدر المتعة، هذا الذي ذكرنا.
إذا طلق الزوج المرأة بين يدي القاضي.
فإن لم يطلقها بين يدي القاضي، فشهد آخران على الطلاق قبل الدخول، والزوج يجحد الطلاق، ثم رجعوا عن شهادتهم فعلى شاهدي الدخول وشاهدي التسمية فضل ما بين المتعة إلى تمام الخمسمئة ينصِّفان لما ذكرنا، وقدر المتعة على شاهدي التسمية وشاهدي الدخول، وعلى شاهدي الطلاق قبل الدخول أثلاثًا، لأن ذلك القدر تلف بشهادتهم جملة.
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه تزوج هذه المرأة على ألف درهم، ومهر مثلها خمسمئة درهم، والزوج يجحد ذلك، وشهد آخران بالطلاق قبل الدخول، وأجاز القاضي شهادتهم، ثم رجعوا جميعًا عن شهادتهم، فإن على شاهدي النكاح مئتين وخمسين، وعلى شاهدي الطلاق مئتين وخمسين، أما على شاهدي النكاح مئتين وخمسين؛ لأنهما أوجبا على الزوج ألف درهم خمسمئة بعوض فلا يجب ضمان ذلك عليهما وخمسمئة بغير عوض، لا يشاركهما في ضمان هذه الخمسمئة لا شاهد الطلاق ولا شاهد الدخول، أما شاهدا الطلاق؛ لأن شاهدي الطلاق ما أوجبا على الزوج إلا نصف الألف، وقد ضمنا قدر ما أوجباه على ما تبين بعد هذا، ولا يضمنان من هذه الخمسمئة شيئًا، وأما شاهدا الدخول فلا يشاركهما في هذه الخمسمئة وإن أكدا هذه الخمسمئة لأنه لولا شهادتهما على الدخول لكان يسقط خمسمئة بالطلاق قبل الدخول؛ لأنهما وإن أكدا هذه الخمسمئة إلا أنهما لم يوجباها، وشاهدا النكاح أوجباها فصار شاهدا الدخول من حيث إنهما لم يوجبا هذه الخمسمئة بمنزلة صاحب الشرط، وشاهد النكاح بمنزلة صاحب العلة على ما عرف، وأما الخمسمئة الأخرى فثلاثة أرباعها على شاهدي الدخول وربعها على شاهدي الدخول تفردا بإيجاب هذه الخمسمئة فيكون ضمان ذلك عليهما والنصف الآخر ثبت بشهادة الفريقين فيكون ضمان ذلك عليهما نصفين، وصار الجواب في هذا نظير الجواب فيما إذا كان مهرها هذه الخمسمئة لا غير، وشهد شاهدان بالدخول وشاهدان بالطلاق ثم رجعوا، وهناك صار الخمسمئة عليهم أرباعًا فهاهنا كذلك.
قال محمد في (الجامع): وإذا شهد شاهدان لامرأة على رجل أنه تزوجها بألفي درهم، ومهر مثلها ألف درهم، فقضى القاضي بذلك وقبضت المرأة الألفين، ثم شهد آخران أن الزوج دخل بها وطلقها ثلاثًا، والزوج يجحد، ففرق القاضي بينهما، ثم رجع الشهود جميعًا عن شهادتهم فالزوج بالخيار؛ إن شاء ضمن شهود النكاح بألف درهم؛ لأنهم ألزموه ألفي درهم منها بعوض وهو منافع البضع الذي له قيمة عند الدخول في ملك الزوج وهو مهر المثل، وألف ألزموه بغير عوض فيما أوجبا بعوض لا يضمنانه، وما أوجبا بغير عوض يلزمهم ضمانه، وإن شاء ضمن شهود الدخول والطلاق ألفي درهم؛ لأنهم بشهادتهم قرروا عليه الألفين جميعًا، لأن المهر قبل الدخول كله (على) شرف السقوط بردة جائية من قبل المرأة، أو غير ذلك فشهود الطلاق والدخول بشهادتهم قرروا عليه ذلك، وللتقرير حكم الإثبات من وجه، فلهذا كان له أن يضمن شاهدي الطلاق والدخول ألفي درهم.
فإن ضمن شهود الدخول والطلاق ألفي درهم ليس له تضمين شهود النكاح، لأنه وصل إليه جميع ما غرم للمرأة، وليس لشهود الطلاق والدخول أيضًا أن يرجعوا على شهود النكاح، لأنهم ضمنوا لجنايتهم، وهو تقرير المهر على الزوج، ولم يعترض جناية على حقهم، فلا يكون لهم حق الرجوع على أحد بما ضمنوا كما في غاصب الغاصب.
وإن ضمن شهود النكاح ألف درهم رجع على شهود الدخول والطلاق بألف أخرى، لأنه بقي إلى إتمام حقه ألف درهم، فيرجع بذلك على شهود الطلاق والدخول، وكان لشهود النكاح أن يرجعوا بالألف التي ضمنوا للزوج على شهود الطلاق والدخول، لأنهم بأداء الضمان قاموا مقام الزوج في المضمون، وقد كان للزوج حق الرجوع عليهم بذلك الألف، فكذا لمن قام مقامه.
ثم اختلفت الروايات في حق قبض تلك الألف، ذكر في الرجوع عن الشهادات في (المبسوط) أن شهود النكاح هم الذين يقبضون ذلك. وذكر في (الجامع):أن الزوج هو الذي يقبض ذلك ثم يدفعه إلى شهود النكاح.
فوجه رواية كتاب الرجوع: هو أن الزوج لما ضمن شهود النكاح ألفًا فقد أقامهم مقام نفسه في الرجوع بها على شهود الطلاق، فتحول ولاية القبض إليهم، كما قلنا في المالك إذا ضمن الغاصب الأول، كان للغاصب الأول أن يضمن الغاصب الثاني، ويقبض الضمان بنفسه لنفسه، لقيامه مقام المالك كذا هذا.
وجه رواية (الجامع) هو: أن السبب الذي ضمن به شهود الطلاق هو الشهادة على ما يؤكد المهر وهو الدخول؛ وهذا السبب إنما جرى بين الزوج وبين شهود الطلاق والدخول، لا بين شهود النكاح وشهود الدخول، فيكون حق القبض للزوج، وإن كان المقبوض ملكًا للغير وهو شاهدا النكاح؛ كالوكيل في باب البيع حق القبض له، وإن كان المقبوض ملكًا للموكل كذا هنا، بخلاف الغاصب الأول مع الغاصب الثاني؛ لأن هناك جرى بين الغاصب الأول وبين الغاصب الثاني سبب لوجوب الضمان عليه وهو الغصب المفوت لليد المحترمة، وبأداء الغاصب الأول الضمان صار المغصوب ملكًا له من وقت الغصب بالأول، فصار الغصب الثاني موجبًا الضمان للغاصب الأول، أما هنا بخلافه.
ولو جاء شهود النكاح وشهود الدخول والطلاق، وشهدوا عند القاضي معًا، كانت العبرة بحالة القضاء، فإن قضى بشهادة شهود النكاح أولًا بأن ظهرت عدالتهم، فهذا والفصل الأول سواء، وإن اتصل القضاء بشهادة شهود الدخول أولًا بأن ظهرت عدالتهم أولًا.
وصورته: أن يشهد شاهدان أن هذا الرجل دخل بهذه المرأة أمس بحكم النكاح، وشهد آخران أن هذا الرجل تزوج هذه المرأة أول من أمس على ألف درهم، فعدل شهود الدخول والطلاق أولًا، فقضي على الزوج بضمان البضع، وذلك مهر مثلها وهو ألف درهم، ثم عدلت شهود النكاح، فقضى القاضي عليه بألف أخرى، ثم رجعوا جميعًا لم يضمن شهود الدخول والطلاق إلا ألف درهم، لأنهم لم يوجبوا إلا موجب البضع، وذلك مهر المثل؛ لأنهم أثبتوا الدخول بنكاح لا تسمية فيه، وموجبه مهر المثل لا غير، أما الزيادة عليه إنما تكون بتسمية صحيحة في العقد، ولم يظهر ذلك بعد.
ويضمن شهود النكاح أيضًا ألفًا أخرى؛ لأنهم أوجبوا ألفًا أخرى، وهو الزيادة على مهر المثل بغير عوض، وذلك مضاف إلى شهادتهم دون شهادة شهود الدخول، فيكون ضمان ذلك عليهم.
ولا يرجع كل فريق على الفريق الآخر بشيء، أما شهود الدخول فظاهر، وأما شهود النكاح فلأن الزوج لم يكن له حق تضمين شهود الدخول والطلاق هذه الزيادة باعتبار أن الزيادة على مهر المثل ما ثبت بشهادتهم، فلا يكون ذلك أيضًا لمن قام مقام الزوج، وهم شهود النكاح.
وإن ظهرت عدالة الفريقين معًا، فقضى القاضي بشهادتهم معًا، ثم رجعوا جميعًا فهذا وما لو قضى القاضي بشهادة شهود النكاح أولًا سواء، لأن القاضي إنما يقضي بالشهادة على حسب ما شهد به الشهود، وشهود الدخول إنما شهدوا بالدخول بحكم النكاح، فأوجب ذلك ترتب الدخول على النكاح إلا أن يقدم الحكم بالدخول فإذا لم يتقدم الحكم بالدخول صير إلى الأصل، وذلك يوجب سبق النكاح، فهذا وما لو قضى القاضي بالنكاح أولًا سواء.
وكذلك لو كان شهود الدخول شهدوا على إقرار الزوج، أنه تزوج هذه المرأة ودخل بها وطلقها ثلاثًا، فقضى القاضي على الزوج بمهر مثلها اعتبارًا للإقرار الثابت بالبينة بالثابت عيانًا، فلو جاءت المرأة بعد ذلك بشاهدين يشهدان على إقرار الزوج أنه تزوجها على ألفي درهم، وقضى القاضي عليه بالفصل، ثم رجع الشهود جميعًا عن شهادتهم، فالجواب فيه كالجواب فيما إذا شهدوا على معاينة الدخول والطلاق وعلى معاينة النكاح، لما مر من اعتبار الثابت بالبينة بالثابت معاينة فلو أن شهود النكاح وشهود الدخول والطلاق زكّوا معًا وقضى القاضي بشهادتهم معًا، ثم رجع شهود النكاح ضمنهم ألف درهم وهو الألف الزائد على مهر المثل، لإيجاب ذلك بغير عوض، فإن رجع شهود الدخول بعد ذلك ضمنهم ألفي درهم، ألف من ذلك للزوج، وألف أخرى يعطيه الزوج إلى شهود النكاح لما مر قبل هذا، وإن رجع شهود الدخول أولًا ضمنهم الزوج ألفي درهم، فلو لم يقبضها الزوج حتى رجع شهود النكاح، فلا ضمان للزوج على شهود النكاح.
علل محمد رحمه الله في (الكتاب) فقال: لأنه حين اختار تضمين شهود الدخول فقد أبرأ شهود النكاح.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإبراء؟ فإن صحة الإبراء تعتمد بعدم الوجوب، والضمان لم يكن واجبًا على شهود النكاح وقت تضمين شهود الدخول؛ لأنهم لم يرجعوا بعد. قلنا: إنما صح باعتبار أن يرجع شهود النكاح يظهر تقديمهم عند الرجوع بنفس الشهادة، فظهر أن الضمان كان واجبًا عليهم يوم تضمين شهود الدخول، فإذا ظهر الوجوب ظهرت صحة الإبراء.
امرأة مرتدة ادعت على رجل أنه تزوجها في حال إسلامها على ألفي درهم، ودخل بها وطلقها، ثم كانت الردة، وأنكر الزوج ذلك كله، ومهر مثلها ألف، فشهد لها شاهدان بالنكاح بألفي درهم، وقضى القاضي بشهادتهم، وشهد آخران على الدخول والطلاق أمس، وأنها ارتدت اليوم، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم رجعوا جميعًا عن شهادتهم، فشهود النكاح لا يضمنون للزوج شيئًا؛ لأن الشهود إنما يضمنون عند الرجوع ما قضى القاضي بشهادتهم، والقاضي ما قضى بشيء من المهر على الزوج بشهادة شهود النكاح؛ لأنه قارن القضاء بالمهر ما يمنع القضاء به: وهو ردة المرأة قبل الدخول إذ الدخول لم يكن ثابتًا وقت القضاء بشهادة شهود النكاح؛ لأنه قارن القضاء بالمهر ما يمنع القضاء به.
ولهذا (لو) قلنا: لو عاين القاضي النكاح مع التسمية ثم عاين ارتدادها قبل الدخول لم يقض على الزوج بشيء من المهر، فعلم أن القاضي لم يقض بالمهر بشهادة شهود النكاح، فلا يضمنون ذلك.
بخلاف ما إذا لم ترتد المرأة والمسألة بحالها حيث يضمن شهود النكاح للزوج، لأن هناك وقع القضاء بشهادتهم بالمسمى إذ المانع وهو الردة لم يقارن القضاء ثمة، فضمنوا ما زاد على مهر المثل وهو ألف درهم، أما هاهنا بخلافه.
قال: وشهود الدخول والطلاق يضمنون للزوج ألفي درهم؛ لأن القاضي إنما يقضي بألفي درهم بشهادتهم؛ لأنه لم يقارن القضاء بالمهر بشهادتهم ما يمنع القضاء به؛ لأن ردة المرأة بعد الدخول لا تنافي المهر؛ فصاروا مثبتين على الزوج ألف درهم، أو مذكرين ذلك عليه بغير عوض، فيضمنون ذلك له عند الزوج.
ولو وقع القضاء بالشهادتين جميعًا فهذا وما لو وقع القضاء بشهادة شهود النكاح أولًا سواء، لأن شهود النكاح يجعل متقدمًا، وشهود الدخول يجعل متأخرًا كما هو الأصل إلا إذا وجد دليل مغير ولم يوجد.
ولو قضى القاضي بشهادة شهود الدخول أولًا، ثم قضى بشهادة شهود النكاح، ثم رجعوا جميعًا عن شهادتهم ضمن شهود الدخول بمهر مثلها، لأن حال ما قضى القاضي بشهادتهما التسمية لم تكن ثابتة، والدخول في نكاح لا تسمية فيه يوجب مهر المثل، فحصل للقاضي بشهادتهم مقدار مهر المثل لا غير، فعند الرجوع لا يضمنون إلا ذلك القدر، ويضمن شهود النكاح ألفًا أخرى وهو الألف الزائد على مهر المثل، لأن القاضي إنما يقضي بالألفين بشهادتهم، لأنه حين قضى بشهادتهم كان الدخول مقضيًا به، فردة المرأة بعد الدخول لا تنافي الصداق، فحصل القضاء بشهادتهم بالألفين، ألف من ذلك حصل بعوض وهو منافع البضع فلا يجب ضمانه وألف من ذلك بغير عوض، فيجب ضمانه، بخلاف ما لو قضى القاضي بشهادة شهود النكاح لكن لم يقع القضاء بالمهر بشهادتهم وإنما وقع القضاء به بشهادة شهود الدخول والطلاق، أما هاهنا بخلافه ولا يرجع أحد الفريقين على الآخر لما قلنا من قبل.

.الفصل السادس: في الرجوع عن الشهادة في العتق والكتابة والتدبير والاستسعاء:

قال محمد رحمه الله: شهود العتق يضمنون عند الرجوع قيمة العبد المشهود به موسرين كانا أو معسرين، لأن هذا ضمان إتلاف الملك، وإنه لا يختلف باليسار والعسار ولا يمتنع وجوب الضمان عليهما بسبب ما أوجبا من الولاء (لأنه) ليس بمال متقوّم، فلا يصلح عوضًا عمّا أتلفا من ملك الرقبة على المولى.
قال: وشهود التدبير يضمنون عند الرجوع ما نقصه التدبير؛ لأنهم فوتوا بعض المنافع من حيث التجارة دون البعض، فإنه بقي من حيث الإجارة فلم يكن الفائت جنس منفعة على المالك، فكان نقصانًا فيضمنان ذلك.
فإن مات المولى والعبد يخرج من الثلث عتق العبد كله مجانًا، لأن رجوع الشاهد لا يعمل في حق العبد ويجعل في حق العبد كأنه لم يرجع، ولو لم يرجع حتى مات المولى، وباقي المسألة بحاله، كان الجواب كما قلنا كذا هاهنا، وضمن الشهود قيمته مدبرًا؛ لأن تلف ما بقي حصل عند موت المولى، وقد ضمنوا النقصان مرة، فلهذا قال: ضمنوا له قيمته مدبرًا؛ وإن كان العبد لا يخرج من الثلث عتق ثلثه مجانًا، وسعى في ثلثي قيمته للورثة، كما لو لم يرجع الشهود ويضمن الشاهدان للورثة ثلث قيمة العبد مدبرًا، لأنهما أزالا هذا القدر عن ملكهم بغير عوض، ولا رجوع لهما على العبد بذلك، وهل يضمنان قيمة الثلثين؟ ينظر إن عجل العبد السعاية يضمنان، وإن لم يعجل لا يضمنان، لأن في الوجه الأول أزالا ملكهم بعوض معجل، وفي الوجه الثاني أزالا ملكهم بعوض معجل، ويرجعان على العبد بذلك؛ لأنهما قاما مقام الورثة في ذلك لما ضمنا ذلك، وقد كان للورثة حق تضمين ذلك القدر، فكذا لمن قام مقامه بخلاف ضمان الثلث.
قال: وشهود الكتابة عند الرجوع يضمنون قيمة العبد بخلاف شهود التدبير، فإنهم يضمنون النقصان عند الرجوع دون القيمة.
والفرق: أن سبب وجوب ضمان القيمة إما إزالة اليد أو إزالة ملك الرقبة ولم يوجد شيء من ذلك في فصل التدبير إنما وجد سبب ضمان النقصان دون القيمة.
وأما في فصل الكتابة سبب وجوب ضمان القيمة قد وجد وهو إزالة يد المولى عنه من غير عوض يحصل له في الحال، فيضمن كما في الغصب، فإذا ضمن الشاهدان قيمة العبد للمولى رجعا على المكاتب ببدل الكتابة على نجومه؛ لأنهما بأداء الضمان قاما مقام المولى في حق ملك البدل إن لم يقوما مقامه في حق ملك المكاتب، واعتبر الشاهد في هذا بالوارث، والوارث يرجع على المكاتب ببدل الكتابة فكذلك الشاهد، ولا يعتق المكاتب ما لم يؤد بدل الكتابة إلى الشاهدين.
والولاء يكون للمولى؛ لأن الشاهدين قاما مقام المولى في ملك البدل لا في ملك المكاتب، واعتبر الشاهد بالوارث، والمكاتب لا يعتق ما لم يؤد بدل الكتابة إلى الوارث، وعند الأداء الولاء يكون للمولى دون الوارث فكذا هذا.
وإن عجز المكاتب ورد في الرق كان لمولاه؛ لأن الرقبة بقيت على ملك المولى، فإذا انفسخت الكتابة بالعجز بقي على الملك المولى، ويرد المولى على الشاهدين ما أخذ منهما؛ لأن الموجب الضمان، وهو إزالة يد المولى قد انعدم فيزول الضمان.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): إذا شهد شاهدان على رجل في شوال أنه أعتق عبده في رمضان، وقيمة العبد يوم الشهادة ألفا درهم، وكانت قيمته في رمضان ألف درهم، فلم يعدلا حتى صارت قيمته ثلاثة آلاف درهم، ثم عدلا، وقضي بشهادتهما، ثم رجعا ضمنا قيمة العبد يوم أعتقه القاضي، وذلك ثلاثة آلاف درهم؛ لأن الشهادة إنما تصير موجبة بواسطة اتصال القضاء بها فتعتبر قيمته يوم القضاء، وهذه المسألة (تثبت) بذلك أن العتق يثبت بقضاء القاضي بشهادة الزور وإن لم يكن له ولاية إعتاق عبد الغير.
ووجه ذلك: أن القاضي إن كان لا يملك إعتاق عبد الغير بولاية القضاء، فالخصمان يملكان ذلك وكما ثبت بقضاء القاضي بشهادة الزور لا يملك القاضي إنشاءه بولاية القضاء، يثبت ما يملك الخصمان إثباته، وقد مرّ جنس هذا.
في كتاب (أدب القاضي): وإذا ادعى رجل على رجل أنه عبده، والمدعى عليه يجحد دعواه، وقضى القاضي بكونه عبدًا له ببينة قامت عليه، ثم أعتقه على مال، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما، فإنهما لا يضمنان للمشهود عليه شيئًا لا بدل العتق؛ ولا بدل ما أتلفاه عليه من الحرية، أما بدل العتق لأن بدل العتق وجب على المشهود عليه بعقده لا بشهادتهما.
فإن قيل: المال وإن وجب على المشهود عليه بعقده إلا أنه مضطر في قبول هذا العقد لإحياء حقه في نفسه، كما كان، فهو بمنزلة صاحب العلو إذا بنى السفل، وهذا الاضطرار جاء من قبل شهادتهما عليه بالرق، فكان وجوب المال مضافًا إليهما.
قلنا: المال ما أوجبه بقوله وحده حتى يقال: مضطر في القبول، فيكون الوجوب مضافًا إلى الشهود، إنما وجب بقبوله وإيجاب الولي والمولى غير مضطر في هذا الإيجاب من جهة الشاهد، فاعتبار جانب المولى وجوب المال لا يكون مضافًا إلى الشاهد، وباعتبار جانب العبد وجوب المال يكون مضافًا إلى الشاهد، فلا تثبت الإضافة إلى الشاهد بالشك.
وأما ضمان بدل ما أتلفا، وإن كان الحر يضمن بالإتلاف الحقيقي؛ لأن إيجاب ضمان الحر بالإتلاف الحقيقي عرف بخلاف القياس بالنص، والنص الوارد في الإتلاف الحقيقي، وفي إتلاف صفة الحرية، وإجزاء الحر لا يكون واردًا في الإتلاف الحكمي، وفيه إتلاف صفة الحرية دون إجزاء الحر، فرد هذا إلى أصل القياس، والقياس يأبى إيجاب المال بمقابلة ما ليس بمال.
وإذا شهد شاهدان أنه أعتقه البتة وشهد آخران أنه أعتقه عن دبر منه، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم رجعوا جميعًا فالضمان على شاهدي الإعتاق لا على شاهدي التدبير، لأن القاضي قضى بشهادة شاهدي الإعتاق لا بشهادة شاهدي التدبير، لأن القضاء بالتدبير مع الإعتاق لا يفيد وإن كان يتصور وقوعهما على الصحة، بأن كان التدبير أولًا ثم العتق، وإذا كان القضاء بالتدبير لا يفيد مع العتق لا يقضى به، وكان بمنزلة ما لو شهد شاهدان بالواحدة، وشهد آخران بالثلاث ورجعوا إنه لا ضمان على شهود الواحدة؛ لأن القضاء لم يقع بشهادة الواحدة، لأن القضاء بالواحدة مع الثلاث لا يفيد.
ولو شهد شاهدا التدبير أول مرة وقضى القاضي بشهادتهما، ثم شهد شاهدا الإعتاق بالإعتاق، وقضى القاضي بذلك، ثم رجعوا فإن شاهدي التدبير يضمنان ما نقصه التدبير، ويضمن شاهدا العتق قيمته مدبرًا، أما شاهدا التدبير يضمنان النقصان، لأن القاضي قضى بشهادتهما، لأن القضاء بالتدبير يقرن حكمه مع العتق البات، وإذا قضى بشهادة التدبير، والتدبير مكن نقصانًا به، فإذا رجعا ضمنا ذلك ويضمن شاهدا العتق قيمته مدبرًا؛ لأنهما أزالا المدبر عن ملكه بغير عوض، ألا ترى أن من غصب مدبر إنسان وعجز عن رده ضمن قيمته؟ وطريقه ما قلنا.
وإن كان شاهدا العتق البات شهدا أنه أعتقه قبل التدبير البتة، فأعتقه القاضي، ثم رجعوا عن شهادتهم ضمن شاهدا العتق قيمته، ولم يضمن شاهدا التدبير، إذ تبين أن القضاء بالتدبير كان باطلًا، وإذا ظهر بطلان القضاء صار كأن القاضي لم يقض بها.
قالوا: ويجب أن يكون هذا الجواب على قول أبي يوسف ومحمد، أما على قول أبي حنيفة فينبغي أن لا يقضي القاضي بشهادة العتق؛ لأن الدعوى من العبد شرط لسماع البينة على التدبير والعتق، ودعوى العبد الإعتاق قبل دعواه التدبير لا يصح لمكان التناقض، بقيت الشهادة على العتق بلا دعوى.
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده (عام أول يوم من رمضان)، فأجاز القاضي شهادتهما وأعتقه، ثم رجعا عن شهادتهما فيضمنان القيمة، أو لم يضمنها حتى شهد شاهدان أنه أعتقه عام أول في شوال لا تقبل شهادتهما، وبقي الضمان على الأولين لا ينتفعان بشهادة الفريق الأول، لأن الفريق الثاني شهدوا بعتق باطل لأن بعدما أعتقه في رمضان لا يتصور عتقه بعد ذلك في شوال فكأنه لم يشهد به الفريق الثاني إنما شهد به الفريق الأول، ثم رجعوا، وهناك يضمنان قيمة العبد للمولى فهاهنا كذلك.
ثم يكون حكمه حكم الأحرار في جراحته وحدوده وقصاصه من رمضان لأن القاضي أثبت حرمته في رمضان بالبينة والثابت بالبينة العادلة كالثابت معاينة، ولو عاينا أنه أعتقه في رمضان كان حكمه حكم الأحرار من رمضان فكذا هاهنا، ولكن يضمن الأولين قيمة العبد يوم قضاء القاضي بعتقه لا في أول يوم من رمضان، ففي حق إيجاب القيمة على الشاهدين جعله حرًا من حيث قضى له القاضي بعتقه حتى ضمن قيمته يوم قضى القاضي بعتقه.
ولا يضمن قيمته في رمضان، وإنما فعل ذلك لأن الشاهد إنما يضمن بالمنع والحيلولة، والمنع والحيلولة بين المولى وعبده حصل من يوم القضاء، فيضمنان قيمته من يوم القضاء، وإن كان حرًا قبل ذلك، هذا كما قلنا في المغرور يضمن قيمة الولد المستحق يوم الخصومة والمنع وإن علق حر الأصل؛ لأن المنع إنما يتحقق يوم الخصومة كذا هاهنا.
فلو شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده عام أول في أول يوم من رمضان فأجاز القاضي ذلك وقضى به وأنفذه، ثم رجعا عن شهادتهما فضمنهما القاضي القيمة أو لم يضمنهما حتى شهد آخران، أنه أعتق أول (من) يوم في رمضان أول من عام الأول، فإن شهادة الآخرين مقبولة ولا ضمان على الأولين، وهذا قول أبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة رحمه الله: شهادة الفريق الثاني غير مقبولة ويجب الضمان على الأولين.
وهذه المسألة فرع لمسألة أخرى: أن البينة على عتق العبد من غير دعوى العبد غير مقبولة، وشهادة الفريق الثاني خلت عن الدعوى؛ لأن دعوى العبد أنه أعتقه أول من عام الأول بعد دعواه، أنه أعتقه في هذا العام، وجوده والعدم بمنزلة لمكان التناقض، فلا تقبل شهادة الفريق الثاني لهذا، وإذا لم تقبل شهادة الفريق الثاني صار كأنهم لم يشهدوا، ولو لم يشهد الفريق الثاني وباقي المسألة بحاله كان على الفريق الأول الضمان كذا هاهنا، وعندهما دعوى العبد ليس بشرط فتقبل شهادة الفريق الثاني، وظهر بطلان شهادة الفريق الأول.
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه كاتب عبده بألف درهم إلى سنة وقيمة العبد خمسمئة وقضى القاضي بالكتابة، ثم رجعوا عن شهادتهم، فإن القاضي يخير المولى فيقول له: إن شئت اخترت تضمين الشاهدين خمسمئة قيمة العبد للحال، وإن شئت اخترت اتباع المكاتب ببدل المكاتبة إلى أجله؛ لأنه وجد من الشاهدين سبب ضمان قيمة العبد وهو إزالة العبد عن يد المولى بالكتابة، فيخير المولى والتخيير مفيد؛ لأن قيمة العبد خمسمئة، وإنها وجبت حالة على الشاهدين، وبدل الكتابة ألف درهم وإنه مؤجل، والإنسان ربما يختار القليل العاجل على الكثير الآجل، وربما يختار الكثير الآجل على القليل الآجل، فكان التخيير مفيدًا من هذا الوجه فيخير.
وإن اختار المولى تضمين الشاهدين لا يكون له اختيار اتباع المكاتب ببدل الكتابة أبدًا، وإن اختار اتباع المكاتب لا يكون له تضمين الشاهدين أبدًا، إلا في خصلة واحدة وهو أن تكون المكاتبة أقل من القيمة، وإنما يضمن باختياره تضمين أحدهما إبراء الآخر؛ لأن الشاهدين بمنزلة الغاصبين، لأنهما أزالا العبد عن يد المولى من غير عوض يصل إليه للحال، والمكاتب بمنزلة غاصب الغاصب؛ لأنه يثبت للمكاتب يد على نفسه بغير رضا المولى بعد شهادتهما، والمغصوب منه متى اختار تضمين الغاصب، أو تضمين غاصب الغاصب برئ الآخر من الضمان؛ لأنه ملك الرقبة منه كما في القن أو بدل الرقبة كما في المدبر، وإذا ملك الرقبة من أحدهما لا يمكنه التمليك من الآخر، فكان اتباع أحدهما إبراء للآخر عن الضمان فكذلك هاهنا.
فإن اختار تضمين الشاهدين كان للشاهدين أن يرجعا على العبد ببدل الكتابة على نجومه لما ذكرنا أنهما بأداء الضمان يقومان مقام المولى في بدل الرقبة، وهو بدل الكتابة، فإذا أدى المكاتب ألف درهم وقبض الشاهدان ذلك؛ فإنه يطيب لهما من ذلك خمسمئة؛ لأنه رأس مالهما ويتصدقان بالزيادة؛ لأنه ربح استفاده من كسب خبيث، وهي شهادتهما الباطلة فإنها بمنزلة الغصب، هكذا ذكر في (الكتاب) ولم يذكر فيه خلافًا، ويجب أن يكون هذا على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، فأما على قول أبي يوسف رحمه اللّه: يطيب له الربح؛ لأنه ربح ما قد ضمن، وإن كان استفاده من كسب خبيث.
وكان الجواب في هذه المسألة كالجواب فيمن غصب عبدًا قيمته خمسمئة ثم ازداد في يده حتى صار يساوي ألفًا ثم غصبه رجل آخر، وقيمته يوم غصبه ألف درهم، إذا ضمن المالك الغاصب الأول قيمة خمسمئة يرجع على الثاني بألف درهم، ويطيب له من ذلك خمسمئة لأنه رأس ماله، ويتصدق بالزيادة؛ لأنه ربح استفاده من كسب خبيث عندهما، وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يتصدق فهذا على ذلك. قد ذكرنا أن المولى إذا اتبع المكاتب ببدل الكتابة برئ الشاهدين عن الضمان.
قال: ويستوي في ذلك أن علمه المولى برجوع الشاهد أم لم يعلمه، أما إذا علم برجوعه فلا إشكال؛ لأنه غير مضطر في اتباع المكاتب لما علم برجوع الشاهدين ووجوب الضمان عليهما، واتباعه المكاتب يتضمن براءة الشاهد عن الضمان، كما في المغصوب منه إذا اختار تضمين أحد الغاصبين، إما الأول، وإما الثاني، مع علمه بغصبهما فإنه يبرأ الآخر، إنه غير مضطر في تضمين الذي ضمنه، فإن له أن يضمن الآخر وإذا لم يكن مضطرًا فقد انعقدت معاوضة بالتضمن عن طواعية، فلا يكون له فسخ ذلك، وأما إذا لم يعلم برجوعه فكذلك أيضًا، وكان يجب أن لا يكون اختياره اتباع المكاتب إبراءً للشاهدين عن الضمان؛ لأنه مضطر في تضمين المكاتب؛ إذ ليس يمكنه تضمين الشاهدين لما لم يعلم برجوعهما، ولما كان مضطرًا في اتباع المكاتب يجب أن لا يبرأ الشهود عن الضمان، كالمغصوب منه إذا اختار تضمين الغاصب الأول ولم يعلم بغصب الثاني منه ثم علم، كان له أن يتبع الثاني ويفسخ تضمينه الغاصب الأول؛ لأنه مضطر في تضمين الغاصب الأول لما لم يعلم بغصب الثاني فيجب أن يكون هنا كذلك، إلا أن الجواب عنه أن تضمين المكاتب إنما حصل من المولى وهو عالم بوجود سبب الضمان من الشاهد، فإنه علم أنه شهد بزور وأنه ضامن وإن لم يرجع، وإذا علم بوجود سبب الضمان من الشاهد كان بمنزلة ما لو ضمن الغاصب الأول وهو يعلم بغضب الثاني ولو كان كذلك برئ الثاني، فكذلك هذا.
فأما في مسألة الغصب ضمن الأول ولم يعلم بوجود سبب الضمان من الثاني فكان مضطرًا في تضمين الأول فكان بمنزلة ما لم يعلم بغصب الثاني إلا أنه... إنسان أن يضمن الأول، ولو كان كذلك لكان له أن يفسخ تضمينه ويتبع الثاني فكذلك هذا.
ولو أن الشاهدين حين رجعا عند القاضي لم يجبر القاضي المولى ولكن المولى جعل يتقاضى المكاتب حتى قبض منه مئة درهم، أو لم يقبضها برئ الشاهدان عن الضمان؛ لأن الشاهدين في حق المولى بمنزلة الغاصب، والمكاتب بمنزلة غاصب الغاصب على ما بينا، والمغصوب منه متى اختار تضمين أحدهما برئ الآخر عن الضمان، علم بوجوب الضمان على الآخر أو لم يعلم، فإنه إذا ضمن الأول وكان غصب منه آخر ولم يعلم بغصب الثاني برئ الثاني عن الضمان، فكذلك هنا إذا اختار تضمين المكاتب برأ الشاهدان عن الضمان علم بوجوب الضمان على الشاهدين بأن علم برجوعهما أو لم يعلم.
قال ما خلا خصلة واحدة وهو أن يكون المكاتبة أقل من القيمة، بأن كانت المكاتبة ألفًا والقيمة ألفين، متى اتبع المكاتب بالمكاتبة كان له أن يرجع على الشاهدين بالفضل على المكاتبة إلى تمام قيمته؛ لأنهما أزالا هذا القدر عن ملك المولى بغير رضاه وبغير عوض فيضمنان ذلك للمولي متى رجعا، وكان بمنزلة ما لو شهد شاهدان أنه باع عبده من فلان، وقيمته ألف وخمسمئة أو أقل، والبائع يجحد، واختار البائع اتباع المشتري بخمسمئة أخرى؛ لأنهما أزالا هذا القدر عن ملكه بغير عوض. فإن قيل: هلا جعل اتباعه المكاتب أو المشتري إجازة منه لكتابه والبيع من حيث أن الكتابة والبيع حصلت بغير رضى المالك، وإذا اختار اتباع المكاتب أو المشتري يجعل كأنه أجازها والإجازة بمنزلة إنشاء الكتابة، ولو أنشأ الكتابة والبيع بخمسمئة وقيمته ألف لم يكن له على أحد ضمان فكذلك هذا.
والدليل عليه أن محمدًا قال: فيما إذا كانت قيمة المكاتب أقل من بدل الكتابة واختار اتباع المكاتب أن هذا اختيار منه لمكاتبه والجواب عنه أن يقال: بأن اختيار اتباع المكاتب أو المشتري لو اعتبرت إجازة للعقد فإنما يعتبر إجازة من حيث الدلالة، فإنه لم يصرح بالإجازة فلا تزيد درجتها على درجة الصريح، وصريح الإجازة مما لا يبرئ الشاهد عن ضمان الزيادة؛ لأن الإجازة من المالك لغو لأن العقد نافذ بقضاء القاضي، وإجازة النافذ لغو...، فصار وجود هذه الزيادة وعدمه بمنزلة، ولو عد الإجازة لم يبرأ الشاهد عن ضمان ما أتلف عليه من الزيادة بغير عوض فكذلك هذا، أو ما قال قبل هذا أن اتباعه المكاتب اختيار للمكاتبة لم يرد به إجازة للكتابة لأنها نافذة، وإنما أراد به اختيار البدل الكتابة بأن له على المكاتب بدل الكتابة بالعقد، وعلى الشاهدين ضمان قيمته بإزالة اليد، فإذا اختار اتباع المكاتب فقد اختار بدل الكتابة، فإنما أراد بقوله: اختيارًا للمكاتبة، أي اختيار لبدل الكتابة.
وإذا ادعى عبد أن مولاه كاتبه على ألف درهم، وهي قيمته، وادعى المولى أنه كاتبه على ألفين، وأقام على ذلك بينة وقضى القاضي بالألفين على المكاتب فأداها، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما، فإنهما يضمنان ألف درهم للمكاتب؛ لأنهما أوجبا على المكاتب زيادة ألف بغير عوض حصل له، فإذا رجعا ضمنا ذلك للمكاتب، وكان الجواب فيه كالجواب فيما لو وقع مثل هذا الاختلاف بين البائع والمشتري.
قال البائع: بعتك هذا العبد بألفين، وقال المشتري: لا بل بألف، وقيمة العبد ألف، فأقام البائع بينة على ما ادعى، وقضى القاضي على المشتري بألفي درهم، ثم رجعا ضمنا للمشتري ألف درهم؛ لأنهما أوجبا على المشتري زيادة ألف بغير عوض حصل للمشتري فضمنا له ذلك، هذا ولو كان المكاتب لم يدع المكاتبة، وقال المولى: كاتبتك على ألفي درهم وجحد المكاتب ذلك، فأقام المولى على ذلك بينة، فإن القاضي لا يقضي بالكتابة ببينة المولى، وهذا الجواب الذي قاله لا يشكل على رواية كتاب الرهن فإنه على رواية كتاب الرهن جعل الجحود ممن يملك الفسخ فسخًا، حتى قال: إذا كان المرتهن جاحدًا لا يقضي بالرهن لأنه يملك الفسخ، والمكاتب ممن يملك الفسخ بأن يعجز نفسه فيكون جحوده فسخًا.
ولو قال: فسخت الكتابة فإنه لا يقضي عليه ببينة المولى بالكتابة، فكذلك هذا، فأما على رواية كتاب الرجوع: يجب أن يقضي ببينة المولى وإن كان المكاتب جاحدًا وهو مالك للفسخ.
كما قال في الرهن: إذا ادعى الراهن ثوبًا في يد المرتهن إنه له رهنه من المرتهن وأنكر المرتهن ذلك، فإنه يقضي ببينة الراهن، وإن كان المرتهن مالكًا للفسخ كالمكاتب هنا، فيحتاج إلى الفرق على رواية كتاب الرجوع.
ووجه الفرق بينهما: أن القضاء بالرهن ببينة الراهن إن كان لا يفيد دوام العقد؛ لأن للمرتهن أن يفسخه بعد ذلك، ذلك يفيد فائدة أخرى وهي أن تصير العين التي في يده مضمونًا عليه حتى إذا هلك في يده قبل الرد يهلك مضمونًا عليه، فأما القضاء بالكتابة مع جحود المكاتب لا يفيد شيئًا لا دوام العقد ولا وجوب الضمان عليه فإنه متى فسخ الكتابة لم يبق العقد ولم يجب عليه شيء وإذا لم ينفذ القضاء بالكتابة فائدة مع إنكاره لم يقض بها؛ لأن القاضي لا يشتغل بما لا يفيد، وكان وزان مسألة الكتاب من مسألة الرهن أن لو كان الثوب في يد الراهن، وجحد المرتهن الرهن وهناك القاضي لا يقضي بالرهن مع إنكار المرتهن، لأن القضاء بالرهن لا يفيدهما لا دوام العقد ولا ضمان.
وإذا لم يقض بها فقال للمكاتب بعد هذا: إن شئت فامض في الكتابة وإن شئت فدعها وكن رفيقًا، وهذا التخير إنما يستقيم على رواية كتاب الرجوع لأن على رواية كتاب الرجوع لم يجعل الجحود ممن يملك الفسخ فسخًا، بل اعتبره إنكارًا للعقدين من الأصل فيخير المكاتب، فيقال له: إن شئت فامض فيها وإن شئت فدعها، فأما على رواية كتاب الرهن: لا يستقيم هذا التخير؛ لأنه اعتبر الجحود فسخًا وهو مالك لذلك فانفسخ، وإذا انفسخت الكتابة لا يستقيم هذا التخيير.
قال: فإن كان المكاتب ادعى أنه حر فجاء المولى بشاهدين فشهدا أنه كاتبه على ألفين، وقضى القاضي عليه بذلك فأدى المال، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما، وقالا: شهدنا بباطل، فإن هما يضمنان للمكاتب ألفين وإن كانت قيمته أقل من ذلك؛ لأنهما أوجبا على المكاتب ألفين من غير عوض حصل له، فإنهما زعما أنه كان حرًا، وأنه لم يحصل له شيء من جهة المولى بإزاء ما أوجبا عليه من ألف درهم، فيضمنان ذلك للمكاتب قضى بشهادتهما هنا، وإن كان المكاتب جاحدًا للكتابة.
وقال في المسألة الأولى: لا يقضى بالكتابة متى كان المكاتب جاحدًا للكتابة، وذلك لأن القضاء بالكتابة بشهادتهما لا يفيد شيئًا في المسألة الأولى لا دوام العقد، فإن للمكاتب فسخه ولا ثبوت الرق، فإن الرق كان ثابتًا من قبل بتصادقهما، وإذا لم ينقد شيئًا لم يجز الاشتغال به، فأما في مسألتنا هذه فالقضاء بالكتابة إن كان لا يفيد دوام العقد فإن للمكاتب أن يفسخه، يفيد ثبوت الرق؛ فإنه متى قضى بكتابته إذا فسخت الكتابة يصير رقيقًا للمولى، وقبل ذلك لم يكن الرق ثابتًا للمولى فيه، وإذا أفاد القضاء بالكتابة فائدة ما، وهو ثبوت الرق عليه جاز الاشتغال به، ثم قال: ولا يثبت هذا الرق، يريد بذلك أنه متى كان مقرًا بالرق فإنه لا يقضى بشهادتهما، ومتى كان منكرًا للرق وادعى أنه حر يقضي لما ذكرنا.

.الفصل السابع: في الرجوع عن الشهادات في البيع والهبة:

وإذا شهد شاهدان على رجل أنه باع داره من هذا الرجل، والبائع يجحد، والمشتري يدعي، وقضى القاضي بالبيع ونقد المشتري الثمن وأخذ الدار، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما، فإن كانت قيمة الدار مثل الثمن المسمى أو أقل، فلا ضمان عليهما لأن الإزالة حصلت لعوض يعدل الدار أو يزيد عليه، وإن كانت قيمة الدار أكثر من الثمن ضمنا الفضل لأن في حق الفضل الإزالة حصلت بلا عوض؛ هذا إذا شهدا بالبيع ولم يشهدا نقد الثمن، فأما إذا شهدا بالبيع ونقد الثمن ثم رجعا عن شهادتهما فهذا على وجهين.
الأول: أن يشهدا على البيع وإيفاء الثمن بشهادة واحدة بأن شهدا أنه باع هذه الدار منه بألف درهم وأوفاه الثمن، وفي هذا الوجه القاضي يقضي عليهما بقيمة المبيع للبائع ولا يقضي بالثمن.
الوجه الثاني: أن يشهدا على البيع وإيفاء الثمن بشهادتين مختلفتين بأن شهدا على البيع أولًا، ثم شهدا أن المشتري أوفاه الثمن، وفي هذا الوجه القاضي يقضي عليهما بالثمن للبائع، والفرق بينهما أنهما إذا شهدا بالبيع وإيفاء الثمن شهادة واحدة، فالمقضي به البيع دون الثمن لأنه لا يمكن للقاضي القضاء بإيجاب الثمن لأنه يقارن القضاء بالثمن ما يوجب سقوطه وهو القضاء بالإيفاء.
لهذا قلنا: لو شهد الشاهدان على رجل أنه باع عبده من هذا الرجل وقابله شهدا عل البيع والإقالة شهادة واحدة فالقاضي لا يقضي بالبيع لأنه قارن القضاء بالبيع ما يوجب انفساخه، وهو القضاء بالإقالة كذا هاهنا، وإذا كان المقضي به في هذه الصورة المبيع دون الثمن، والشاهد عند الرجوع يضمن المقضي يضمن به قيمة المبيع لأن إزالة المبيع حصلت بغير عوض لما رجعا عن شهادتهما، فأما إذا شهدا بالبيع وإيفاء الثمن بشهادتين مختلفتين، والثمن مقضي به فلأن القضاء بالثمن ممكن لأنه لم يقارن القضاء بالثمن ما يوجب سقوطه لأن حال ما شهدا بالبيع لم يشهدا بالإيفاء؛ وإنما شهدا بالإيفاء بعد ذلك، وإذا صار مقضيًا به فإذا رجعا عن شهادتهما ضمنا الثمن، ولم يضمنا قيمة المبيع، وإن صار المبيع مقضيًا به في هذه الحالة مع الثمن لأن إزالة المبيع حصلت بعوض، فلا يضمنان قيمة المبيع، ويضمنان الثمن لأن الثمن مقضي به.
رجل في يديه عبد شهد شاهدان أنه وهبه لهذا الرجل وسلمه إليه، وشهد آخران أنه وهبه لهذا والقاضي لا يعرف التاريخ قضى بالعبد بينهما نصفان لاستوائهما في الدعوى والحجة، فإن رجع الشهود جميعًا عن شهادتهم ضمن كل فريق للواهب نصف قيمة العبد.
قال محمد رحمه الله: ولا يشبه هذا الوصية، يريد به أنه إذا شهد شاهدان أن الميت أوصى بهذا العبد لهذا الرجل، وشهد آخران أن الميت أوصى بهذا العبد لهذا الرجل الآخر، وزكيت البينتان وقضى القاضي بالعبد بينهما نصفين لاستوائهما في الدعوى والحجة، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما فإنهم لا يضمنون للورثة شيئًا، وهاهنا قال: كل فريق يضمن للواهب نصف قيمة العبد، والفرق أن في مسألة الوصية، القاضي قضى بجميع الوصيتين، فإن الوصية بعد الوصية صحيحة.
فإن من أوصى بعبده لرجل ثم أوصى به لرجل آخر صحت الوصيتان، حتى لو رد أحدهما كان العبد كله للآخر، ولما كان هكذا كان ما شهد به كل فريق مستحقًا على الوارث بشهادة الفريق الآخر، ورجوع كل لم يظهر في حق غيره، فصار في حق كل فريق كأن الفريق الآخر ثابت على الشهادة، أما في مسألة الهبة قضاء القاضي بشهادة الفريقين بهبة واحدة النصف لهذا والنصف لذلك، أما ما قضى بالهبتين؛ لأن الهبة بعد غير صحيحة، ولما كان هكذا صار الثابت بكل بينة النصف، ولهذا قلنا: لو كانت هذه الدعاوي في شيء يحتمل القسمة لا يقضي بين الموهوب لهما بشيء لأنه يؤدي إلى تجويز هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، ولما كان هكذا صار كل فريق متلفًا على الواهب النصف من غير أن يكون ذلك مستحقًا بشهادة الفريق الآخر، فلهذا ضمن كل فريق النصف للواهب.
ثم قال في مسألة الهبة: أحد الفريقين لا يضمن للمدعين شيئًا، وفي مسألة الوصية قال: يضمن كل فريق للذي لم يشهد له بالوصية نصف قيمة العبد.
والفرق أن الشاهد إنما يضمن عند الرجوع قدر ما قضى القاضي بشهادته، وفي مسألة الهبة، القاضي إنما قضى بشهادة كل فريق للذي شهد له بهبة نصف العبد وقد سلم لكل واحد من المدعين نصف العبد، فلم يصر واحد من الفريقين متلفًا شيئًا على الذي لم يشهد له، أما في مسألة الوصيتين، القاضي قضى لكل واحد منهما بالوصية في جميع العبد، وإنما منع من الاستيفاء بحكم المزاحم الثابت بشهادة الفريق الآخر فكان كل فريق متلفًا على الموصى له الذي لم يشهد له نصف العبد، فيضمن له نصف القيمة فلهذا افترقا.
رجل في يديه عبد قيمته خمسمئة جاء رجل وادعى أن صاحب اليد باع العبد منه إلى سنة بألف درهم، وأقام على ذلك بينة، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم رجعا عن شهادتهما، فالبائع بالخيار إن شاء ضمن الشهود وقيمة العبد خمسمئة حالة، وإن شاء اتبع المشتري بألف درهم إلى سنة، فإن ضمن الشهود قيمة العبد خمسمئة حالة كان للشهود أن... المشتري بألف درهم، إلى سنة، لأن البائع لما ضمن الشهود فقد أقامهم مقام نفسه، فيحول إليهم من المطالبة ما كانت للبائع، وإذا رجعوا على المشتري بعد حلول الأجل يطيب لهم من ذلك قدر رأس مالهم، وذلك خمسمئة ويتصدقان بخمسمئة لاستفادتهما هذا القدر بسبب خبيث وهو الشهادة، ولو شهدا بالبيع بألف درهم حالة، وقضى القاضي بشهادتهما ثم شهدا أن البائع أجل المشتري الثمن إلى سنة، وقضى القاضي بالأجل، ثم رجعا عن الشهادتين جميعًا ضمنا الثمن للبائع وذلك ألف درهم، ولو كانت الشهادة بالتأجيل مع الشهادة بالعقد بدفعة واحدة، وقضى القاضي بشهادتهما كان البائع بالخيار، إن شاء ضمن الشاهدين قيمة العبد خمسمئة حالة، وإن شاء اتبع المشتري بألف درهم إلى سنة.
والفرق: أن في الفصل الأول الثمن الحال صار مقضيًا به إذا لم يقارن القضاء بالثمن الحال ما يمنع القضاء به فصار الثمن الحال مقضيًا به فحين شهدا عليه بالأصل فقد فوتا عليه إمكان الأخذ فيضمنان عند الرجوع، أما في الفصل الثاني فالثمن الحال ما صار مقضيًا به لأنه قارن القضاء ما يمنع القضاء بالثمن الحال، وهو الأجل فلم يكونا مفوتين عليه إمكان الأخذ فلا يضمنان.

.الفصل الثامن: في الرجوع عن الشهادة في الولاء والنسب والولادة:

قال في (الأصل): وإذا ادعى رجل على رجل: إني ابنك، والرجل يجحد دعواه، فأقام الابن البينة أنه ابنه، وقضى القاضي بذلك وأثبت نسبه، ثم رجعوا فإنهم لا يضمون شيئًا للأب سواء رجعوا حال حياة الأب أو بعد وفاته، لأنهم ما ألزموه مالًا إنما ألزموه النسب، والنسب ليس بمال، وكذلك لا يضمنون لسائر الورثة ما ورثه الابن المشهود له لأن استحقاق الميراث مضاف إلى موت الأب لا إلى النسب الذي ثبت بشهادتهما، وهذا لأن استحقاق الميراث وإن كان لابد له من الموت والنسب إلا أن الموت آخرهما وجودًا فيضاف الاستحقاق إليه.
وكذلك إذا ادعى رجل ولا رجل وقال: إني أعتقتك، والمعتق يجحد فأقام المدعي البينة على دعواه ثم رجعوا لا يضمنون شيئًا سواء رجعوا حال حياة المعتق أو بعد وفاته؛ لأن استحقاق الميراث مضاف الى الموت الذي هو آخرهما وجودًا لا إلى الولاء الذي ثبت بشهادتهما، ولو شهد الرجل أنه ابن هذا القتيل ووارثه لا وارث له غيره، والقاتل مقر أنه قتله عمدًا، وقضى القاضي للمشهود له بالقصاص فقتله المشهود له، ثم رجعوا عن شهادتهم، فإنهم لا يضمنون للقصاص شيئًا؛ لأن القصاص ليس بمال ولكن يضمنون كل ما ورثه هذا الابن المشهود له من القتيل لورثته المعروفين؛ لأن استحقاق الميراث هاهنا مضاف إلى النسب الذي ثبت بشهادتهما، لا إلى الموت؛ لأن النسب آخرهما، وقد أقروا بالرجوع أنهم أتلفوا على ورثة المعروفين، فلهذا ضمنوا بخلاف المسألة الأولى، وعلى هذا إذا شهدوا بالولاء بعد موت المعتق، ثم رجعوا عن شهادتهما فإنهم يضمنون جميع ما ورثه المعتق لورثته المعروفين؛ لأن استحقاق الميراث في هذه الصورة مضاف إلى الولاء.
وعلى هذا إذا شهدوا بنكاح امرأة ومات الزوج بعد قضاء القاضي بالنكاح، ثم رجعوا عن شهادتهم وكان الرجوع منهم حال حياة الزوج فلا ضمان عليهم، ولو شهدوا بالنكاح بعد موت الزوج، ثم رجعوا ضمنوا حصتها من الميراث لسائر الورثة، والمعنى ما ذكرنا.
ولو شهدوا لرجل مسلم كان أبوه كافرًا أن أباه قد أسلم بعد موته؛ وللميت ابن كافر، وقضى القاضي بالميراث كله للابن المسلم، ثم رجعوا عن شهادتهم فإنهم يضمنون للابن الكافر جميع ما ورثه الابن المسلم، لأن استحقاق الابن المسلم الميراث على الابن الكافر مضاف إلى ما ثبت بشهادة الشهود، وهو إسلام الأب، لأنهم شهدوا بعد موت الأب.
وإذا أسلم كافر ثم مات وله ابنان مسلمان كل واحد منهما يدعي أنه أسلم قبل موته؛ وأقام على ذلك شهودًا، وقضى القاضي بينهما بالميراث، ثم رجع شهود أحد الابنين فإنهم يضمنون جميع ما ورث هذا الابن للابن الآخر، لأن استحقاق الميراث في حق هذا الابن مضاف إلى ما ثبت بشهادة شهوده وهو إسلامه قبل موت الأب ثبت بشهادة شهوده.
قال: صبي في يدي رجل لا يعرف أنه حر أو عبد، شهد شاهدان على إقرار صاحب اليد أنه ابنه وقضى القاضي بنسبه، ثم مات الأب وقضى القاضي بالميراث لهذا الصبي، ثم رجعا عن شهادتهما؛ فإنهما لا يضمنان شيئًا لا الميراث ولا قيمته، وأما الميراث، فلأن استحقاق الميراث هاهنا مضاف إلى موت الأب، وأما قيمته فلأنهم لم يتلفوا عليه ملكه الثابت فيه إذا لم يعرف أنه عبد، لأن الحرية أصل في بني آدم إلا أن يعرف خلافه ولم يعرف.
ولو كان في يدي رجل عبد صغير وأمة صغيرة لا يعيران عن أنفسهما، وصاحب اليد يدعي أنهما مملوكان له حتى ثبت كونهما مملوكين لذي اليد بقوله، ثم شهد شهود حال حياة صاحب اليد أنه أقر أن هذا الصبي ابنه، وشهد شهود آخرون أنه أعتق هذه الأمة، ثم تزوجها على ألف درهم، والرجل يجحد ذلك، فقضى القاضي بشهادتهم وألزم الرجل النكاح والنسب والعتق، ثم مات الرجل، ثم رجع الشهود عن شهادتهم فإن شهود الابن يضمنون قيمة الابن للورثة المعروفين إلا ما يخصه من الميراث، فإنهم لا يضمنون ذلك القدر وشهود عتق الأمة يضمنون قيمة الأمة للورثة المعروفين إلا ما يخصها من الميراث، وكان ينبغي أن يضمن كل فريق جميع القيمة لأن من زعم كل فريق ان المشهود ليس بوارث وأن جميع قيمته موروث للورثة المعروفين لا نصيب له من ذلك والورثة المعروفون يصدقونهم في جميع ذلك فيضمنون جميع القيمة كما أقروا، ألا ترى أنهم شهدوا بهذا بعد موت المولى والباقي بحاله فإن كل فريق يضمن جميع القيمة، وطريقة ما قلنا كذا هاهنا.
قيل في الجواب عن هذا: أن ما ذكر في (الكتاب) قول أبي حنيفة رحمه الله.
ووجهه أن يقال: بأن في زعم الشهود عند الرجوع متى حصلت الشهادة منهم حال حياة المولى أن ما وجب عليهم من قيمة الابن، والأمة مورثة بين الورثة المعروفين وبينهما عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه في زعمهما أن النكاح والنسب وإن لم يكن ثابتًا فقد (ثبت) بقضاء القاضي، أما النكاح فلأن القاضي يملك إنشاء النكاح بولاية القضاء من غير بينة بملك أنشأه بشهادة الزور عند أبي حنيفة إذا لم يكن أنشأه، وحال حياة الزوجين الإنشاء ممكن فيثبت النكاح بقضاء القاضي وإذا كان في زعم الشهود أن النكاح ثبت بقضاء القاضي كان في زعمهم أن بعض قيمتها ميراث لها، والبعض لباقي الورثة المعروفين، فكانوا مقرين لها ببعض القيمة غير أنها كذبتهم في الإقرار ببعض القيمة لها بتكذيبها، ورفع عنهم حصتها من قيمتها من هذا الوجه، وأما النسب فلأن القاضي إن كان لا يملك إنشاء النسب بولاية القضاء من غير شهادة بحال؛ فالخصمان يملكان إثباته، وكما يملك القاضي الإنشاء بشهادة الزور فيما يملك إنشاؤه بولاية القضاء من غير بينة، يملك الإنشاء بشهادة الزور فما يملك الخصمين إنشاءه على إحدى الروايتين.
عن أبي حنيفة فإنه يقول على إحدى الروايتين: القاضي يملك إنشاء الهبة بشهادة الزور، حتى قال: قضاءً القاضي بالهبة بشهادة الزور ينفذ ظاهرًا وباطنًا على هذه الرواية والقاضي لا يملك إنشاء الهبة بولاية القضاء من غير بينة، ولكن طريقه أن الخصمين يملكان إنشاءها فيملك القاضي إنشائها بشهادة الزور، وإذا كان كذلك كان في زعم شهود الابن أن النسب ثبت بقضاء القاضي، وما وجب عليهم من قيمة الابن للميت بعضها ميراث الابن وبعضها ميراث الورثة المعروفين إلا أن الابن كذبهم في إقرارهم ببعض القيمة له على ما ذكرنا في الأمة؛ فرفع عنهم حصته من ذلك لهذا.
بخلاف ما إذا شهدوا بذلك بعد موت المولى؛ لأن هناك في زعمهم بعد الرجوع أن جميع قيمتها ميراث للورثة المعروفين لا حصة لهما من ذلك؛ لأن في زعمهما أن النكاح والنسب لم يكن ثابتًا، ولم يثبت بقضاء القاضي، لأنه إنما يثبت بقضاء القاضي بشهادة الزور ما يملك القاضي إثباته بولاية القضاء من غير شهادة، أو ما يملك الخصمان إثباته بأنفسهما، والقاضي لا يملك إنشاء النكاح بين اثنين وأحدهما يثبت لولاية القضاء بحال من الأحوال، وكذلك الخصمان لا يملكان ذلك، وإذا كان كذلك كان في زعم الشهود أنهما لم يصيرا وارثين بقضاء القاضي، فكان في زعمهم أن جميع القيمة للورثة المعروفين والورثة المعروفون صدقوهم في ذلك، فضمنوا كما أقروا.
وأما على قول محمد وهو قول أبي يوسف الآخر: ينبغي أن يضمن الشهود جميع قيمة الابن والأمة لا ترفع عن ذلك حصتهما؛ لأن في زعم الشهود عندهما أنهما لم يصيرا وارثين بقضاء القاضي، وإن ما وجب عليهما من قيمتهما ميراث بين الورثة المعروفين لا حصة لهما من ذلك، فيؤاخذون بإقرارهم، قال: ولا ضمان على الشهود فيما ورثه الابن والأمة؛ لأن الشهادة بالنكاح والنسب وجدت في حالة الحياة، فكان الاستحقاق مضافًا إلى الموت الذي هو أحدهما، حتى لو كانت الشهادة بعد موت المولى يضمنون ذلك؛ لأن الاستحقاق في هذه الصورة مضاف إلى ما ثبت بشهادتهم، وهو النكاح والنسب، قال: ولا يضمنون شهود النكاح المهر إلا إذا كان المسمى أكثر من مهر مثلها فحينئذ يضمنان الفضل إلا ما يخصها من الفضل، بخلاف ما إذا شهدا بذلك بعد موت المولى فإنهما يضمنان المهر للورثة المعروفين، وإن كان المسمى مثل مهر المثل؛ لأن الشهادة بالنكاح متى كانت في حالة الحياة، ومهر مثلها مثل المسمى أو أكثر من المسمى فإيجاب المهر على الزوج حصل بعوض يعدله أو يزيد عليه، لأن النكاح قد ثبت بقضاء القاضي وصار منافع بضعها عوضًا عن المهر فلا يضمنان شيئًا، بخلاف ما إذا كان المسمى أكثر لأن بقدر الفضل حصل الإيجاب بغير عوض، فيضمنان الفضل ويكون ذلك موروثًا بين هذه وبين باقي الورثة المعروفين؛ لأن النكاح قد ثبت في زعمهم بقضاء القاضي، بخلاف ما إذا كانت الشهادة بعد الموت؛ لأن النكاح لم يثبت بقضاء القاضي، فلم يصر منافع بضعها عوضًا عما أوجبا عليه من المهر فبقي إيجابًا بلا عوض.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): رجل له جاريتان لكل واحدة منهما ولد ولدته في ملك الرجل، فشهد شاهدان لأحد الولدين بعينه وأمه أن الرجل ادعاه، والرجل يجحد ذلك، وشهد شاهدان آخران للولد الآخر وأمه أن الرجل ادعاه، والرجل يجحد ذلك أيضًا، وقضى القاضي بشهادتهم وجعل الابنين ابني الرجل، والأمتين أم ولد له، ثم رجع الشهود جميعًا عن شهادتهم فالولدان ابنا المولى والجاريتان أمي ولد له لما مر أن رجوع الشهود لا يعتبر في حق المشهود عليه، وإنما يعتبر في حق الشاهدين بإيجاب الضمان عليهما، والمسألة في حق حكم الضمان على وجوه، فإن كانت الشهادة والرجوع عنها حال حياة المولى، فإن كان الولدان كثيرين ضمن كل فريق من الشهود قيمة الولد الذي شهد بنسبه ونقصان الاستيلاد في الأمة التي شهد لها للمولى، لأن في زعم كل فريق عند الرجوع أنه أتلف على المولى الولد الذي شهد بنسبه، وأتلف من الجارية التي شهد لها قدر ما انتقص بسبب أمومية الولد للحال بغير حق، وزعم كل إنسان حجة في حقه.
فإن قيل: ينبغي على قياس قول أبي حنيفة أن يضمن كل فريق من الشهود جميع قيمة الجارية عنده حتى لا يضمن بالغصب.
قلنا: ما بقي بعد الاستيلاد وهو الاستفراش ينتفع في حق المولى، وإن لم يكن مالًا متقومًا ومع بقاء بعض المنفعة على ملك المولى لا يمكن إيجاب جميع القيمة للمولى، فأوجبنا النقصان لهذه الضرورة، ثم إذا أخذ المولى ذلك القدر من الشهود استهلكه، ومات ولا وارث له غير الابنين، وكل واحد من الابنين يجحد أن يكون صاحبه ابن المولى، كانت أمواله ميراثًا بين الابنين، وعتقت الجاريتان، وضمن كل فريق من الابنين قيمة ما بقي من الجارية التي شهدوا لها، لأنهم صاروا متلفين لما بقي عند موت المولى بالشهادة السابقة بغير حق، ويكون ذلك للمولى ميراثًا عند الابنين إلا أن كل ابن يصير مسريًا لشهوده عن حصته من ذلك، لأنه يقول: شاهدي صادق في الشهادة كاذب في الرجوع، ولا ضمان عليه، وقول كل إنسان حجة في حقه، وليس بحجة في حق صاحبه، فبقي نصيب كل ابن على الشهود الذين لم يشهدوا له، وذكر في (الأصل) أن كل فريق من الشهود يضمن نصف قيمة ما بقي من الجارية التي شهدوا لها للابن الآخر، ولا تفاوت بينهما، فما ذكر في (الجامع) إشارة إلى أصل الوجوب وما ذكر في (الأصل) إشارة إلى الحاصل، ولا يضمن كل فريق من الشهود قيمة الولد الذي شهدوا له؛ لأنهم قد ضمنوا ذلك مرة فلا يضمنون ذلك مرة أخرى، قال: ويرجع كل فريق من الشهود على الولد الذي شهدوا له بيما ورث عن أبيه بما ضمنهم أبوه من قيمة الولد الذي شهدوا له، ومن نقصان الاستيلاد في أمه؛ لأن في زعم كل ابن أن ما أخذه أبوه من شهوده أخذه بغير حق؛ لأنهم صادقون في الشهادة كاذبون في الرجوع، وصار ذلك دينًا في تركته، والدين مقدم على الميراث، وزعم كل إنسان معتبر في حقه، وكان ينبغي أن لا يرجع كل فريق من الشهود في نصيب الابن الذي شهدوا له بشيء؛ لأن الابن وإن أقر لهم بذلك إلا أنهم ردوا إقراره حين رجعوا، فإنهم بالرجوع اعترفوا أن ما أخذه الميت منهم استوفى زمانًا واجبًا عليهم، والإقرار يزيد بالرد، قلنا: إن مشايخ بلخ قالوا ما ذكر محمد رحمه الله في (الكتاب) مؤول.
وتأويله: أن الشهود رجعوا عن الرجوع فقالوا صدقنا في الشهادة وكذبنا في الرجوع، فأما إذا كانوا ثابتين على الرجوع فلا شيء لهم، وإذا كان تأويل المسألة هذا، فتقريبه أن كل فريق وإن ردوا إقرار الابن الذي شهدوا له، إلا أن الابن مصر على إقراره، فهب أن ذلك الإقرار بطل بالتكذيب، فالإقرار القائم بعد رجوع الشهود عن الرجوع لم يبطل لانعدام التكذيب فيلتحق التصديق به.
ومشايخ عراق قالوا: لا بل يرجع كل فريق من الشهود في نصيب الابن الذي شهدوا له بما قلنا سواء رجعوا عن الرجوع أو داموا على الرجوع، وإطلاق محمد في (الكتاب) يدل عليه.
ووجه ذلك: أن كل فريق من الشهود لم يكذب الابن المشهد له فيما أقر؛ لأن رجوعهم محتمل يحتمل أن يكون باعتبار أن الأب لم يدع بسبب هذا الولد أصلًا، وعلى هذا التقدير يكون تكذيبًا له فيما أقر، ويحتمل أن يكون باعتبار أنهم لم يعلموا دعوة الأب بسبب الولد المشهود له، والابن المشهود له علم بذلك، وعلى هذا التقدير لا يكون تكذيبًا له، ولا يبطل الإقرار بالشك ولا يرجع كل فريق من الشهود على الابن المشهود له بما غرم لأخيه من نصف قيمة أمه بعد النقصان، لأن في زعمه أن أخاه ذلك أخذ بغير حق، وأن ذلك دين على أخيه، أما إذا كان تصديق كل واحد منهما صاحبه فالشهود لا يضمنون شيئًا للابنين، ويأخذ كل فريق من الشهود ما ضمن للميت من قيمة الولد المشهود له، ومن نقصان أمه مما ورثا عن أبيهما؛ لأنهما أقرا أن جميع ذلك دين لهما على أبيهما، والدين مقدم على الميراث، وفيما إذا جحد كل واحد منهما صاحبه؛ فكل فريق من الشهود يأخذ ما ضمن للميت من نصيب الابن المشهود له خاصة، لأن هناك كل واحد من الابنين منكر أن يكون ما أخذه أبوه من شهود صاحبه دينًا في تركته، فلا يستوفي ذلك من نصيبه، أما هاهنا بخلافه.
قال: ولا يضمن كل فريق من الشهود ما ورثه الابن الذي شهدوا له بنسب الابن الآخر؛ لأن الشهادة حصلت في حال حياة المولى، واستحقاق الإرث إذا كانت الشهادة في حالة الحياة يضاف إلى الموت لا إلى النسب، والموت لم يثبت فشهادتهما فلم يكن التلف حاصلًا بشهادتهما، فلا يضمنان شيئًا، هذا الذي ذكرنا إذا كانت الشهادة والرجوع حال حياة المولى، وإن كانت الشهادة حال حياة المولى من الفريقين والرجوع بعد وفاته ضمن كل فريق للابن الذي لم يشهدوا له نصف قيمة الابن الذي شهدوا له، ونصف قيمة أمه فيه، أما نصف قيمة الابن؛ لأن في زعم كل فريق من الشهود عند الرجوع أنهم بشهادتهم أتلفوا مال الولد المشهود له، وصار ذلك دينًا عليهم للميت ميراثًا بين ورثته إلا أن الابن المشهود له أبرأهم عن نصيبه وهو النصف، بقي نصيب الابن الآخر وهو النصف؛ بخلاف الفصل الأول، فإن هناك يجب على كل فريق جميع قيمة الولد المشهود له، لأن هناك القيمة تجب للمولى، والمولى لم يصر ميراثًا لهم عن شيء من ذلك، وأما نصف قيمة الأم فلهذه العلة أيضًا.
وأما نصف قيمة الأم فيه، بخلاف الوجه الأول، فإن هناك كل فريق يضمن نصف قيمة الجارية المشهود لها، الابن الآخر أم ولد، لأن هناك المولى أخذ ضمان النقصان من كل فريق من الشهود بما ضمن الابن الذي لم يشهد له على الابن المشهود له بما أخذ المولى منهم، لأن هناك في زعم كل فريق أن ما أخذه الأب من شهوده صار دينًا في تركة الأب والدين مقدم على الميراث.
أما هاهنا الأب لم يأخذ شيئًا من الشهود، إنما أخذ الأخ من الشهود وصار ذلك دينًا على الأخ بزعم كل ابن، ودين الأخ لا يستوفى من تركة الأب، ولا يضمن كل فريق للابن الآخر ما أحرز المشهود له من الميراث، لما ذكرنا في الوجه الأول وهذا الذي ذكرنا إذا كان كل ابن يجحد صاحبه، فأما إذا صدق كل ابن صاحبه فالشهود لا يضمنون للابنين شيئًا، لما ذكرنا في الوجه الأول.
وإن كانت الشهادة من الفريقين والرجوع عنها بعد وفاة المولى، وترك الميت أخًا معروفًا وأموالًا كثيرة، وقد كان قضى القاضي بعتق الابنين وبعتق أمهما وقضى بالميراث، وكل واحد من الابنين يجحد صاحبه، فإن كل فريق من الشهود يضمن الابن الذي لم يشهد له، وجميع قيمة الابن الذي شهد له وجميع قيمة أمه.
بخلاف ما إذا كانت الشهادة في حياة المولى، فإن هناك يضمن كل فريق نصف قيمة الابن المشهود له ونصف قيمة أمه الابن الآخر، والفرق أن الشهادة إذا كانت في حالة الحياة، واتصل بها القضاء، ففي زعم كل فريق من الشهود عند الرجوع أن قيمة الابن المشهود له قد لزمه، وصار ذلك ميراثًا بين الابنين؛ لأن في زعم كل فريق أن الابن المشهود له إن لم يكن وارثًا، فقد صار وارثًا بقضاء القاضي، وإن شهدا بالزور لما كانت الشهادة، والقضاء بهما في حالة الحياة، فلم يصر كل فريق مقرًا للابن الآخر إلا بنصف قيمة الابن المشهود له، ونصف قيمة أمه فأما إذا كانت الشهادة والقضاء بها بعد الوفاة، ففي زعم كل فريق أن قيمة الابن المشهود له بكمالها للابن الآخر لا حظ للابن المشهود له منها، لأن في زعمه أن الابن المشهود له لم يكن وارثًا، ولم يصر وارثًا بقضاء القاضي، بشهادتنا بالزور لما كانت الشهادة والقضاء بها بعد موت المولى، فصار كل فريق مقرًا بجميع قيمة الابن المشهود له، وبجميع قيمة أمة للابن الآخر والابن الآخر صدقه في ذلك حيث جحد وراثة صاحبه، ويضمن كل فريق ما ورثه الابن المشهود له للابن الآخر بخلاف ما إذا كانت الشهادة في حال حياة المولى، وهذا لأن الشهادة إذا كانت بعد الوفاة فاستحقاق الإرث مضاف إلى النسب الذي ثبت بشهادة الشهود، فكان التلف مضافًا إلى شهادة الشهود، فأما إذا كانت الشهادة في حالة الحياة فالتلف غير مضاف إلى شهادتهم على ما مر، فلهذا افترقا، ولا يرجع كل فريق من الشهود بما ضمن الأب الآخر في ميراث المشهود له لما قلنا في الوجه الثاني، ولا يغرم الشهود للأخ شيئًا، لأن من حجة كل فريق أن يقول للأخ: لولا شهادتنا لكان الحرمان ثابتًا في حقك بشهادة الفريق الآخر، هذا إذا كانت الشهادتان من فريقين متفرقين، فأما إذا كانت من فريق واحد بأن شهد شاهدان أن المولى قال في كلمة واحدة: هذان ابناي من هاتين الجاريتين، والابنان كبيران يدعيان ذلك مع الجاريتين، فقضى القاضي بشهادتهم ثم رجعوا.
فإن كانت الشهادة والرجوع في حال حياة المولى ضمن الشهود للمولى قيمة الولدين ونقصان الاستيلاد لما ذكرنا، فيما إذا كانت الشهادتان من فريقين، فإذا أخذ المولى ذلك واستهلكه ثم مات المولى لم يغرم الشهود شيئًا من قيمة الابنين؛ لأنهم لو غرموا للابنين، والابنان قد أبرأا الشهود عن ذلك حيث ادعيا ما شهد به الشهود، ويرجع الشهود بما ضمنوا فيما ورث الولدان عن أبيهما؛ لأنهما يصدقان الشهود في الشهادة لما ادعيا ما شهد به الشهود، فصارا مقرين بأن ما أخذ الأب من الشهود صار دينًا في تركة الأب، والدين مقدم على الميراث، ولا يضمن الشهود للأخ شيئًا مما ورثه الابنان إن كان للميت أخ، لأنهم شهدوا بالنسب حال حياة المولى.
وإن كانت الشهادة في حال حياة المولى والرجوع بعد وفاة المولى لم يغرم الشهود شيئًا للابنين ولا للأخ إن كان للميت أخ لما قلنا، وإن كانت الشهادة والرجوع بعد وفاة المولى فالشهود لا يغرمون للابن شيئًا ويغرمون للأخ إن كان للمولى أخ قيمة الجاريتين وقيمة الابنين وما ورثه الابنان، بخلاف ما إذا كانت الشهادتان من فريقين، فإن هناك لا يضمن الشهود للأخ، وإن كانت الشهادة والرجوع بعد وفاة المولى.
والفرق بين الفريقين والفريق الواحد يأتي بعد هذا كله إذا كان الولدان كثيرين والشهود فريق واحد، فأما إذا كان الشهود فريقًا واحدًا والولدان صغيران وقت الشهادة ينتظر بلوغهما، فإذا بلغا فإن صدق كل واحد منهما الشهود في جميع ما شهد به الشهود فهذا وما لو كانا كبيرين وقت الشهادة وادعيا جميع ما شهد به الشهود سواء، وإن كان صدق كل واحد منهما الشهود فيما شهدوا له به وكذبهم فيما شهدا لصاحبه به فهذا، وما لو شهد لكل ابن فريق وجحد كل واحد منهما صاحبه سواء؛ لأن الشهادة هاهنا لا تنتقض، وإن كذب كل واحد منهما شهوده إما لأن هذا تكذيب بعد القضاء وإنه لا يوجب بطلان القضاء والشهادة لما تبين، أو لأن هذا تكذيب فيما شهدا له، وتكذيب المشهود لا يبطل الشهادة، وإذا لم تنتقض الشهادة هاهنا بهذا التكذيب صار هذا الفصل وما إذا شهد لكل فريق على حده وجحد كل واحد منهما صاحبه سواء، ولم يذكر محمد رحمه الله في الكبيرين هذا الفصل، أنه إذا كان الشهود فريقًا واحدًا وصدق كل من الابنين الشهود فيما شهدوا له وكذبهم فيما شهدوا لصاحبه هل تقبل شهادتهم؟.
وحكي عن القاضي الإمام أبي الحسين بن الخضر النسفي أنه قال: لا تقبل شهادتهم، وفرق بين الكبيرين والصغيرين فإن الصغيرين إذا بلغا وصدق كل واحد منهم الشهود فيما شهدوا له دون صاحبه لا تبطل الشهادة، والفرق أن كل واحد من الابنين فسق الشهود حيث كذبهم فيما شهدوا لصاحبه، إلا أن في حق الصغيرين التفسيق كان بعد القضاء لهما بهذه الشهادة في حالة الصغر، وتفسيق المشهود له الشاهد بعد القضاء لا يوجب بطلان القضاء؛ لأن الفاسق ربما يكون صادقًا، ولهذا كان أهلًا للشهادة عندنا، فعلى اعتبار أن يكون صادقًا لا يجوز إبطال القضاء وعلى اعتبار أن يكون كاذبًا يجوز إبطال القضاء، فلا يجوز إبطال القضاء بالشك، أما في حق الكبيرين الفسق وجد قبل القضاء وكما لا يجوز إبطال القضاء بالشك لا يجوز القضاء بالشك.
وعامة المشايخ قالوا: لا بل الجواب في حق الكبيرين والصغيرين واحد، حتى يجوز القضاء بهذه الشهادة؛ لأن كل واحد من الكبيرين وإن كذب الشهود ولكن كذبهم فيما شهدوا عليه لا فيما شهدوا له، وهذا لا يوجب خللا في الشهادة إذ المشهود عليه أبدًا يكذّب الشهود فيما يشهدون.
ولهذا قلنا: إذا شهد الشهود لرجل بدين مؤجل وأنكر المشهود له الأجل تقبل الشهادة، وإن كذب شهوده في الأجل؛ لأنه كذّبهم فيما شهدوا عليه؛ لأن الأجل عليه.
وكذلك إذا شهد رجلان لزيد على عمرو بألف درهم وعمرو ينكر ذلك ثم شهدوا لعمرو على زيد بمئة دينار وزيد ينكر، فالقاضي يقضي بالشهادتين جميعًا، وقد كذب كل واحد منهما شهوده؛ لأنه كذبهم فيما شهدوا عليه صح أن الجواب في حق الكبيرين نظير الجواب في حق الصغيرين.
فإن قيل: إذا كان الولدان صغيرين ينبغي أن لا تقبل هذه الشهادة عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن هذه شهادة على النسب والحرية، والشهادةُ على حرية العبد لا تقبل من غير دعوى العبد عنده، والدعوى من الصغيرين لا تتصور.
قلنا: إنما قبلت هذه الشهادة لوجود الدعوى من الصغيرين اعتبارًا.
بيانه: أن كل واحد من الابنين تدعي نسب.... وحريته، وصح ذلك منها؛ لأن ما تدعي كل واحدة منهما لنفسها من أمته الولد لا يثبت إلا بعد ثبات نسب ولدها، فتقوم دعوى كل واحد منهما مقام دعوى ولدها، فهو معنى قولنا: وجد الدعوى من الصغيرين اعتبارًا.
وفي (نوادر عيسى بن أبان): رجل مات وترك أخًا لأبيه، فجاء رجل وادعى أنه أخوه لأبيه وأمه، وجاء بشاهدين شهدا أنه أخوه لأبيه وشاهدين آخرين شهدا أنه أخوه لأمه، فالقاضي يقضي بأنه أخوه لأبيه وأمه، ويعطيه كل الميراث، فإن قضى بذلك ثم رجع الشهود عن شهادتهم جملة، ضَمِن اللذان شهدا أنه أخ لأب ثلثي الميراث واللذان شهدا أنه أخ لأمه ثلث الميراث من قبل أنه قد استحق بشهادة اللذَين (شهدا) أنه أخ لأب نصف الميراث، إذ للميت أخ آخر لأب، فضمان ذلك عليهما خاصة واستحق بشهادة اللذين (شهدا) أنه أخ للأم سدس الميراث، وضمان ذلك عليهما أيضًا، والثلث الباقي لم يستحق بشهادة واحد من الفريقين دون صاحبه، فهو على الفريقين نصفين، على كل فريق نصفه وهو السدس، ولو رجع أحد الشاهدين اللذين شهدا أنه أخ لأب، وأحد الشاهدين اللذين شهدا أنه أخ لأم ضمنا النصف بينهما أثلاثًا، ولو لم يكن الأمر على ذلك ولكن شهد شاهدان أنه أخ لأب وقضى القاضي له بنصف المال ثم جاء بشاهدين آخرين شهدا أنه أخ لأم وقضى القاضي له بالنصف الآخر ثم رجع الشهود جميعًا، فعلى كل فريق نصف المال لما ذكرنا أن الواجب على الشهود عند الرجوع ما قضي به بشهادته، وإنما قضي بشهادة كل فريق في هذه الصورة بالنصف.
ولو شهد شاهدان أنه أخ لأم وقضى القاضي له بسدس الميراث ثم شهد آخران أنه أخ لأب وقضى القاضي له بباقي الميراث ثم رجعوا، فعلى اللذين شهدا أنه أخ لأم سدس المال وعلى اللذين شهدا أنه أخ الأب خمسة أسداس المال، وهو بناء على ما قلنا، وكذلك إذا شهدوا معًا وعدل أحد الفريقين وقضى القاضي بشهادتهم، فإنه ينظر في هذا إلى القضاء، فمن قضي بشهادته أولًا فعليه ضمان ما قضي بشهادته والباقي على الفريق الآخر، ولو أن الذي ادعى أنه أخ لأب وأم شهد له شاهد أنه أخ لأب وأم، وشهد له شاهد آخر أنه أخ لأب وقضى القاضي بالميراث له ثم رجع الذي شهد أنه أخ لأب وأم، فعليه ضمان نصف الميراث، وإن لم يرجع هو، لكن رجع الذي شهد أنه أخ لأب، فعليه ضمان ثلث المال، وإن رجع الذي شهد أنه أخ لأم فعليه ضمان ثلث المال، وإن رجعوا جملة فالضمان عليهم كذلك.
قال الحاكم أبو الفضل: يحتمل أن تكون وجه هذه المسألة: أن الشاهد بالأخوة لأب وأم شارك الشاهد بالأخوة لأب في إيجاب النصف، فهو عليهما نصفان، وشارك الشاهد بالأخوة لأم في إيجاب السدس في ذلك عليهما، وشهد بانفراده بالثلث الباقي وكان مجموع شهادة الآخرين بشهادته أيضًا، فصار نصف ذلك الثلث على الشاهد بالأخوة لأب وأم، ونصفه على الآخرين نصفان، ومعنى قوله: مجموع شهادة الآخرين، شهادته أنه شهد بالأخ لأب وأم ومجموع شهادة الآخرين، هذا أيضًا؛ لأن أحدهما شهد بالأخوة لأب والآخر بالأخوة لأم.
في (نوادر عيسى) أيضًا: رجل مات وترك بنتًا وأخًا لأب فأعطى القاضي البنت النصف والأخ النصف، ثم جاء رجل وادعى أنه أخ الميت لأب وأم، فشهد له شاهد أنه أخوه لأب وأم وشهد الآخر أنه أخوه لأب وشهد آخر أنه أخوه لأم، وقضى القاضي بنصف الميراث له ثم رجع الذي شهد أنه أخ لأب، فعليه ضمان ثلاثة أثمان ما صار له من الميراث.
قال الحاكم أبو الفضل: إنه استحق نصف مال أُخذ بشهادة الذي شهد أنه أخ لأب وأم، وشهادة الذي شهد أنه أخوه لأب هو عليها جميعًا، والنصف الآخر استحقه بشهادتهم جميعًا، فنصفه على الذي شهد أنه أخ لأب وأم ونصفه على الآخرين؛ لأن شهادتهما بإزاء شهادته، هذا هو المنقول عن الحاكم الشهيد رحمه الله، ومعنى هذا الكلام: أن المدعي أخذ بحكم الميراث النصف وصار نصف هذا النصف نصفين، فاحتجنا إلى حساب ينتصف نصف نصفه، وأقل ذلك ثمانية جعلنا (ه) ميراث الميت.
ثم عدنا إلى أصل المسألة وقلنا: في يد البنت أربعة وفي يد الأخ لأب أربعة، وقضى القاضي للمدعي بالأربعة التي في يد الأخ نصفها وذلك سهمان بشهادة الذي شهد أنه أخ لأب وأم، وبشهادة الذي شهد أنه أخ لأب، فعند الرجوع يكون ضمان ذلك عليهما، على كل واحد منهم، والنصف الآخر وذلك سهمان قضي به بشهادة الكل نصفه، وذلك سهم بشهادة الذي شهد أنه أخ لأب وأم، ونصفه وذلك سهم بشهادة الآخرين، وهذا لأن شهادة الآخرين بإزاء شهادة من شهد أنه أخ لأب وأم، لأن أحد الآخرين شهد أنه أخ لأب، والآخر شهد أنه أخ لأم، فمجموع شهادتهما أنه أخ لأب وأم، فصار النصف الآخر مقضيًا به بشهادت الكل، فيكون نصفه وذلك سهم على الذي شهد أنه أخ لأب وأم، ونصفه وذلك سهم على الآخرين فانكسر هذا السهم فنضعف السهام حتى يزول الكسر.
فجعلنا ميراثه على ستة عشر: في يدي الأخ لأب ثمانية قضي بمجموعهما للمدعي نصفها، وذلك أربعة بشهادة الذي شهد أنه أخ لأب وأم، فضمان ذلك عليهما نصفان على كل واحد سهمين، ونصفها وذلك أربعة بشهادتهم جملة، نصفها وذلك سهمان بشهادة الآخرين بشهادة كل واحد منهما سهم، فضمان ذلك يكون عليهما، فأصاب الذي شهد بالأب والأم مرة سهمان من ثمانية ومرة سهمان أيضًا، فذلك أربعة وهو نصف ما صار للمدعي بالميراث وأصاب الذي شهد بالأب مرة سهمان من ثمانية ومرة سهم، فذلك ثلاثة، وهو ثلاثة أثمان ما صار للمدعي من الميراث، وأصاب الذي شهد بالأم سهم من ثمانية وهو ثمن ما صار للمدعي من الميراث.
رجل مات وترك ابنًا وأخذ ميراثه، فجاء رجل آخر وادعى أنه ابن الميت وأراد أن يشارك الابن المعروف، فأنكر الابن المعروف نسبه وأنكر أن يكون وصل إليه شيء من الميراث، فأتى بشاهدين فشهدا أنه ابن الميت وقضى القاضي له بنسبه ثم أتى بشاهدين آخرين فشهدا أنه وصل إليه من مال الميت كذا وكذا، فقضى القاضي عليه بنصف ذلك للابن المدعي، ثم رجع الشاهدان اللذان شهدا بالنسب ضمنا ما وصل إلى المدعي من المال، فإن ضمنا ذلك ثم رجع الآخران رجع شاهدا النسب عليهما بما ضمنا؛ لأن شاهدا النسب بما ضمنا فأما مقام الابن المعروف وكان للابن المعروف يضمن شاهدي المال عند الرجوع، فكذا لمن قام مقامه ولو كانوا رجعوا جميعًا، فالابن المعروف بالخيار: إن شاء ضمن شاهدي النسب ورجعا على شاهدي المال، وإن شاء ضمن شاهدي المال، وإنما ضمن شاهدي النسب؛ لأن الشهادة بالنسب بعد الموت شهادة بالميراث، والقضاء بالنسب بعد الموت قضاء بالميراث، فكل ما كان للميت من مال في يدي وارث أو غيره فقد قضى القاضي للابن المدعي بحصته من حيث قضي له بالنسب.
رجل مات وترك ابنة وأخًا وأمًا وأخذ (ت) البنت نصف الميراث، وأخذ الأخ نصف الميراث، فجاء رجل وادعى أنه أخ الميت لأب وأم وجاء بشاهدين شهدا بذلك وقضى القاضي بنسبه وأشركه مع الأخ المعروف في الميراث، ثم رجعا عن شهادتهما أنه أخ لأب، وثبتا على شهادتهما أنه أخ لأم أو على العكس: ضمنا نصف ما صار في يده من الميراث ولا يضمنان جميع ذلك؛ لأنه استحق الميراث بنسبين وقد رجعا عن شهادتهما.
وكذلك لو رجع أحدهما عن شهادته أنه أخ لأب وثبت على شهادته أنه أخ لأم ورجع الآخر عن شهادته أنه أخ لأم وثبت على شهادته أنه أخ لأب ضمن كل واحد منهما الربع مما صار في يده؛ لأنهما رجعا عن نصف الشهادة وثبتا على نصف الشهادة، والشاهدان في هذا على النسبين، فالفريقان إذا شهدا كل فريق على أحد النسبين سواء، ولو شهد كل فريق على نسب فإن شهد أحد الفريقين أنه أخوه لأبيه وشهد الفريق الآخر أنه أخوه لأمه، ثم رجع أحد الفريقين عن شهادتهم ضمن نصف المال كذا هاهنا.
فإن قيل: إذا رجعا عن أحد النسبين ينبغي أن يضمنا جميع الميراث؛ لأنهما عند الرجوع صارا مقرين أنه ليس بوارث وأنهما أتلفا جميع المال بشهادتهما أنه وارث.
قلنا: إنهما لم يشهدا أنه وارث فقط، ولو شهدا أنه وارث لا تقبل شهادتهما، وإنما شهدا له بنسبين واستحق الميراث بهما، ثم رجعا عن أحدهما وثبتا على الآخر.
قال: ألا ترى أن رجلين لو شهدا على شهادة شاهدين بحق لرجل وقضى القاضي بشهادتهما، ثم رجعا عن شهادتهما على شهادة أحد الشاهدين وثبتا على شهادة الشاهد الآخر، إنهما لا يضمنان إلا نصف المال وقد زعما أن الشهادة التي ثبتا عليهما لا يستحق بها شيء.
رجل مات وترك أخوين لأم وأخًا لأب، فأعطى القاضي الأخوين لأم الثلث وأعطى الأخ لأب الثلثين، ثم ادعى رجل أنه أخوه لأبيه وأمه وشهد له شاهدان أنه أخوه لأمه وقال: شاهداي على النسب من الأب غائبان، فإن القاضي يقضي بأنه أخ لأم وله أن يدخل مع أخوته لأم؛ لأنه شريك في الميراث كله وهو يقول: قد ظلمني الأخ لأب حيث جحد حقي فلي أن أدخل مع الأخوة لأم، فإن قضى القاضي بذلك وأشركه مع الأخوين لأم ثم قدم الشاهدان الآخران فشهدا أنه أخ لأب، فإن القاضي يقضي بأنه أخ لأب وأم ويرجع الأخوة من الأم على الأخ لأب بما أخذ منهم، فيستكمل الأخ لأب وأم الثلثين، فإن رجع الشهود بعد ذلك عن الشهادة فلا ضمان على الذي شهدا أنه أخ لأم؛ لأنه قد رجع إلى الإخوة من الأب مثل ما أخذ منهم ويضمن اللذان شهدا أنه أخ لأب جميع الثلثين للأخ لأب، لأنه إنما قضى به بشهادتهما، ولو كان أقام أولًا شاهدين أنه أخ لأب وقضى القاضي له بذلك وأخذ نصف ما في يد الأخ لأب ثم جاء بشاهدين أنه أخ لأم، وقضى القاضي بذلك وأخذ ما بقي في يد الأخ لأب ثم رجعوا جميعًا، فعلى كل فريق نصف الضمان.

.الفصل التاسع: في الرجوع عن الشهادة على الشهادة:

قال محمد في (الأصل): وإذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين بحق لرجل ثم رجع الأصول والفروع جميعًا، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا ضمان على الأصول وإنما الضمان على الفروع.
وقال محمد: المشهود عليه بالخيار، إن شاء ضمن الأصول وإن شاء ضمن الفروع، وإن رجع الأصول وحدهم فلا ضمان عليهم عندهما خلافًا لمحمد، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله: أنه إذا رجع الأصول فهم ضامنون وإن (ضمن) الفروع وحدهم فعليهم الضمان بلا خلاف.
فوجه قول محمد رحمه الله: أنه وجد من كل فريق يعني الأصول والفروع في حق المشهود عليه سبب ضمان على حده على سبيل المباشرة فكان له أن يضمن أيهما شاء كما في الغاصب مع غاصب الغاصب.
بيانه: أن سبب التلف نقل شهادة الأصول إلى مجلس القاضي، ونقل شهادة الأصول ثبت بهما، فإنه لولا إشهاد الأصول ما تمكن الفرع من النقل، ولولا نقل الفرع لم يثبت النقل، وقولنا: على سبيل المباشرة؛ لأن الفرع في نقل شهادة الأصول مباشر حقيقة، وهذا ظاهر، والأصل مباشر من حيث الحكم؛ لأن أداء الفروع منقول إلى الأصول؛ لأن الفروع مضطرون من جهة الأصول إلى الأداء بعد الإشهاد، فإنهم لو امتنعوا من الأداء أتموا، ألا ترى أن قضاء القاضي اعتبر منقولًا إلى الشاهد؛ لأنه مضطر إلى القضاء من جهة، فإنه لو امتنع عن القضاء يأثم، كذا هاهنا، فإن ضمن الفروع، فالفروع لا يرجعون على الأصول كما في باب الغصب لو ضمن المالك الغاصب الثاني لا يرجع به على الغاصب الأول، وإن ضمن الأصول فالأصول لا يرجعون على الفروع، بخلاف ما لو ضمن المالك الغاصب حيث يرجع به على الغاصب، وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا: الأصول مسببون للتلف من وجه، والفروع مباشرون للتلف من كل وجه.
بيانه: أن سبب التلف نقل شهادة الأصول، والأصول مسببون لهذا النقل؛ لأن بعدما وجد الإشهاد من الأصول لا يحصل نقل شهادتهم إلا بعد وجود فعل فاعل مختار وهو أداء الفروع بشهادتهم، وهذا هو حد السبب، فأما الفروع مباشرون لهذا النقل من كل وجه، فإن نفس أداء الفروع شهادة الأصول تصير شهادة الأصول منقولة إلى مجلس القاضي من غير أن يحتاج فيه إلى فعل فاعل مختار، وهذا هو حد المباشرة وقد عرف من أصلنا أن المباشر مع السبب إذا اجتمعا وهما متعديان أن الضمان على المباشر، وقوله بأن أداء الفروع منقول إلى الأصل إلى أخر ما ذكر.
قلنا: الاضطرار في حق الفروع ثابت من وجه دون وجه؛ لأن سبب هذا الاضطرار اعتباري وهو الإثم وبالعقباوي ثبت الاضطرار من وجه؛ لأن العقباوي ليس بقائم للحال، ألا ترى أن قضاء القاضي بسبب وعيد الأخوة اعتبر منقولًا إلى الشاهد من وجه دون وجه، حتى كان لولي القتيل تضمين الشاهد ولا تجب الكفارة على الشاهد ولا يصير الشاهد محرومًا عن الميراث كذا هاهنا، وإذا ثبت أن الفروع صار منقولًا إلى الأصول كان الأصل مسببًا، والفروع مباشر من كل وجه، وإيجاب الضمان على المباشر من كل وجه أولى من إيجابه على المباشر من وجه، وإذا رجع الفروع وحدهم وجب عليهم الضمان وهذا ظاهر، وإن رجع الأصول وحدهم فلا ضمان عليهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وفيه نوع إشكال؛ لأنه تعذر إيجاب الضمان على المباشر، فيجب على المسبب كما في الحافر مع الماشي.
والجواب: أن الأصول لو كانوا مباشرين مع الفروع من كل وجه بأن شهدوا جملة بشهادة أنفسهم ثم رجع اثنان لا يجب على الراجعين الضمان؛ لأنه بقي من يقوم بشهادته جميع الحق؛ فلأن لا يجب الضمان هنا، وقد بقي من يقوم بشهادته جميع الحق والراجع سبب من وجه أولى، وهكذا الذي ذكرنا: إذا قال الأصول: كنا أشهدناكما بباطل، فأما إذا قالوا لم نشهدهم أصلًا، فلا ضمان على الأصول بلا خلاف؛ لأنه لم يوجد منهم الرجوع لما أنكروا الإشهاد أصلًا.
ولو شهد شاهدان على شهادة أربعة وشهد شاهدان على شهادة شاهدين بحق على رجل وقضى القاضي بشهادتهم ثم رجعوا، فعلى قول أبي حنيفة: الضمان على الفريق أثلاثًا، ثلثاه على الذين شهدوا على شهادة الأربع، وثلثه على الذين شهدوا على شهادة المسبب وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: الضمان على الفريقين نصفان، وأجمعوا على أنه إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين وشهد أربعة على شهادة شاهدين والباقي بحاله أن الضمان على الفريقين نصفان، والفرق لهما أن الحكم مقطوع بشهادة الفروع ولهذا لا ضمان على الأصول عند الرجوع عندهما، ولما كان الحكم مقطوعًا بشهادة الفروع يجب اعتبار عدد الفروع دون عدد الأصول.
إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين على رجل بألف درهم وشهد آخران على شهادة شاهد واحد بتلك الألف بعينها وقضى القاضي بالألف بالشهادتين جميعًا ثم رجع واحد من الفريق الأول، وواحد من الفريق الثاني كان عليهما ثلاثة أثمان المال، الثمنان على أحد الأولين والثمن على أحد الآخرين؛ لأن الفريق الأول أثبت جميع المال؛ لأنهما قاما مقام شاهدين والفريق الثاني أثبت نصف المال؛ لأنه قام مقام شاهد واحد إلا أن ذلك النصف شائع في النصفين، فإذا بقي واحد من الفريق الأول بقي به نصف الحق، وإذا بقي واحد من الفريق الثاني بقي نصف النصف وهو الربع، إلا أن هذا الربع شائع في النصفين في نصف الباقي ببقاء أحد الأولين، وفي نصف الساقط برجوع أحد الأولين، فصار نصف الربع وهو الثمن داخلًا في النصف الذي بقي ببقاء أحد الأولين فلا يظهر ذلك، ونصفه وهو الثمن في النصف الساقط فبقي ذلك القدر ببقاء أحد الآخرين فكان الباقي من الحق بالشاهدين الباقيين خمسة أثمان، فكان التالف برجوع الراجعين ثلاثة أثمان، فيجب ضمان ذلك على الراجعين ولكن أثلاثًا؛ لأن الفريق الأول أوجب كل المال، والفريق الثاني أوجب نصف المال فكان الفريق الأول سببًا، مثل ما أثبته أحد الآخرين، فيكون العزم عليهما أثلاثًا، ولو لم يرجع إلا أحد الأولين كان عليه ربع الحق؛ لأنه بقي ببقاء صاحبه على الشهادة نصف الحق، والآخران أيضًا بقيا بنصف الحق، إلا أن الثابت بشهادتهما نصف الحق شائع نصفه وهو الربع مما بقي ببقاء أحد الأولين ونصفه وهو الربع مما سقط برجوع أحد الأولين فبقي من النصف الساقط بحكم بقاء الآخرين على الشهادة نصفه وهو الربع، فيكون الباقي في الحاصل ثلاثة الأرباع وضمن الراجع الربع لهذا، ولو رجع الآخران مع أحد الأولين ضمنوا نصف المال؛ لأنه بقي من يقوم بشهادته نصف الحق، فيكون التالف نصف المال ثم ضمان هذا النصف يكون نصفه على الراجع من الأولين ونصفه على الآخرين؛ لأن أحد الأولين أوجب نصف الحق والآخران أوجبا نصف الحق أيضًا، فصار حال الواحد من الأولين كحال الآخرين، فلهذا كان الضمان عليهما نصفين.
ولو شهد شاهدان على شهادة شاهدين على رجل بألف وشهد شاهدان آخران على شهادة شاهدين آخرين بتلك الألف بعينها وقضى القاضي به ثم رجع واحد من هذين وواحد من هذين، فعليهما ثمنان ونصف، هكذا ذكر في (الجامع) وذكر في (الأصل) أن عليهما نصف المال، وعن أبي يوسف أن عليهما ربع المال، وهو اختيار الكرخي وهو القياس، وهي مسألة الأسفكة.

.الفصل العاشر: في الرجوع عن الشهادة في الحدود والجنايات:

قال محمد رحمه الله: وإذا شهد شاهدان على رجل بسرقة ألف درهم بعينها من رجل وقضى القاضي بها وقطع يد المشهود عليه ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما ضمنا دية اليد للمشهود عليه؛ لأنهما أتلفا على المشهود عليه يده، ويكون ذلك في مالهما؛ لأنه وجب بإقراره؛ ولأنهما تعمدا الإتلاف حيث شهدا بالزور، والعاقلة لا تعقل عمدًا ولا اعترافًا، ويضمنان الألف أيضًا؛ لأنهما كما أتلفا على المشهود عليه يده أتلفا عليه الألف.
أربعة شهدوا على رجل بالزنا وشهد شاهدان عليه بالإحصان فأجاز القاضي شادتهم وأمر برجمه ثم رجعوا جميعًا عن شهادتهم، فإن شهود الزنا يضمون الدية ويحدون حد القذف عند علمائنا الثلاثة، ولا ضمان على شهود الإحصان، وهذه المسألة بتمامها مرت في كتاب الحدود من هذا الكتاب.
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده وشهد عليه أربعة بالزنا والإحصان وقضى القاضي بشهادتهم وأعتقه ورجمه ثم رجعوا عن شهادتهم، فإن على شهود العتق قيمته لمولاه؛ لأنهم أتلفوا عليه مالية العبد بغير حق وعلى شهود الزنا الدية؛ لأنهم أتلفوا بشهادتهم حرًا؛ لأن الحرية قد ثبتت بقضاء القاضي وتكون الدية للمولى إذا لم يكن المرجوم وارثًا آخر من العصبات، فإن قيل من وجهين، أحدهما: كيف تجب الدية للمولى وكان المولى جاحدًا العتق؟ والثاني: كيف يجب بدلان للمولى عن نفس واحدة.
قلنا: أما الأول القاضي قد حكم بعتقه وزعم المولى بعدما قضى القاضي عليه بخلافه غير معتبر، وأما الثاني قلنا القيمة تجب بدلًا عن المالية والدية تجب بدلًا عن النفس غير أن الدية تجب حقًا للمقتول حتى يقضي منه ديونه وينفذ قضاياه، ألا ترى أنه لو كان له ابن حر كانت الدية له دون مولاه، فالدية تجب للمقتول أولًا ثم تصير للمولى؛ لأنه أقرب الناس إلى المقتول، فلا تؤدي إلى أن يجب بدلان عن نفس واحدة للمولى.
إذا شهد أربعة على رجل بالزنا والعتق والإحصان وأمضى القاضي كله، ثم رجعوا عن العتق ضمنوا القيمة، ولا شيء عليهم من (الدية)، لأنهم يصيرون على الشهادة عليه بالزنا، وفي حق العتق هم بمنزلة شهود الإحصان ولا ضمان على شهود الإحصان عند الرجوع على قول علمائنا الثلاثة رحمهم الله، ولو رجع اثنان عن الزنا واثنان عن العتق فلا ضمان على شهود العتق؛ لأنه قد بقي على العتق حجة كاملة، وعلى اللذين رجعا عن الزنا نصف الدية؛ لأن الباقي على الشهادة في حق حكمه نصف الحجة فيجب على الراجعين نصف الدية وحد القذف.
وإذا شهد شاهدان على الصلح عن دم العمد على ألف درهم ثم رجعا لم يضمنا شيئًا أيهما كان المنكر، أما إذا كان الذي له القصاص ينكر والقاتل يدعي؛ فلأنهما لو ضمنا للذي له القصاص أو للقاتل ولا وجه إليهما أما للذي له القصاص؛ فلأنهما لو شهدا عليه بالعفو عن القصاص بغير عوض لا يضمنان له شيئًا فهاهنا أولى، وقد شهدا عليه بالعفو بالألف، وأما للقاتل فلأنه هو المدعي للصلح، فإنما لزمه المال بإقراره لا بشهادتهما فلا يضمنان له شيئًا، وأما إذا كان القاتل يجحد والذي له القصاص يدعي، أما الذي له القصاص فلأنه سقط حقه عن القصاص بإقراره إذا كان هو مدعيًا لا بشهادتهما، ولو سقط حقه عن القصاص بشهادتهما لا يضمنان له شيئًا فهاهنا أولى، وأما للقاتل فكذلك؛ وكان ينبغي أن يضمنا للقاتل؛ لأن ما سلم للمطلوب من القصاص ليس بمال وما ليس بمال لا يعتبر عوضًا من المال، فلا يصير عوضًا عما أوجبا عليه من الألف، فكأنهما أوجبا عليه ألف درهم بغير عوض.
والجواب: ما سلم للقاتل من القصاص وإن لم يكن مالًا يصلح عوضًا عن المال الذي أوجبا عليه؛ لأنه ملك نفسه من جهة المولى من كل وجه من حيث الاعتبار؛ لأن المولى استحق على القاتل نصيبه بالقصاص من كل وجه، وإنما يملك القاتل نفسه بعد ذلك من جهة الطالب من كل وجه بالصلح.
وما ليس بمال يصلح عوضًا عن المال إذا استفاده ملتزم المال من جهة من ضمن له المال من كل وجه أصله منافع البضع في باب النكاح، فإن الشرع جعل منافع البضع في حق الزوج عوضًا عن المال، وإن لم يكن منافع البضع مالًا.
قلنا: والزوج ملك منافع بضع المرأة من جهة المرأة من كل وجه، فصار فصل النكاح أصلًا لنا أن ما ليس بمال يصلح عوضًا عن المال إذا استفاده ملتزم المال من جهة من ضمن له المال من كل وجه، والقصاص نظير النكاح فيلحق بالنكاح، وكذلك لو كان هذا الصلح فيما دون النفس يريد به إذا شهدا على الصلح على مقدار الأرش أو دونه، فلا ضمان عليهما عند الرجوع جعل الجواب فيما دون النفس نظير الجواب في النفس؛ لأن المستحق فيما دون النفس عين على الحقيقة، فإذا صار مستحقًا لولي القصاص يزول عن ملكية من عليه القصاص، ومازال عن بعض العين عن صاحب الرقبة ثم عاد إليه بسبب، فإنما يعود إليه بحكم ذلك السبب لا حكمًا لملكه الباقي؛ لأن كل جزء من أجزاء الرقبة أصل بنفسه لا يملك حكمًا لملك الباقي، بخلاف تلك المنافع، فصار ما دون النفس والنفس سواء من هذا الوجه.
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه عفى عن دم خطأ أو جراحة خطأ أو عمد فيهما أرش وقضى القاضي بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما ضمنا الدية وأرش تلك الجراحة؛ لأنهما أتلفا على المشهود عليه الدية وأرش تلك الجراحة، فموجب الخطأ المال فيضمنان ذلك عند الرجوع ولكن بالصفة التي كانت واجبة؛ لأن الضمان إنما يجب على الشاهدين بطريق الجبر لمأمور، وإنما يتحقق الجبر إذا كان الضمان بصفة الفائت، وبهذا يضمن الجيد بمثله والرديء بمثله.
إذا ثبت هذا فيقول: الدية مؤجلة في ثلاث سنين، فيجب على الشاهد ضمانها مؤجلًا في ثلاث سنين، وما بلغ من أرش الجراحة خمسمئة فصاعدًا إلى ثلث الدية من ذلك في سنة، وما زاد على ذلك إلى الثلثين فذلك في سنة أخرى، فيجب على الشاهدين عند الرجوع كذلك، وإن كان أرش الجراحة أقل من خمسمئة يجب حالًا، فيضمنه الشاهد عند الرجوع.
كذلك قال محمد رحمه الله في (الجامع).
شاهدان شهدا على عبد أنه قتل ولي هذا الرجل خطأ والمولى يجحد، وقيمة العبد ألف درهم فقضى القاضي بذلك ولم يخير المولى بين الدفع والفداء حتى شهد شاهدان آخران أن المولى أعتق العبد بعد الجناية والمولى يجحد، فإن القاضي يقضي بعتقه وبدية المقتول على المولى؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت معاينة، ولو عاين القاضي جناية العبد ثم عاين إعتاق المولى بعد ذلك، فالقاضي يقضي بالجناية والعتق والدية على المولى لصيرورته مختارًا للفداء بالإعتاق بعد الجناية، فكذا إذا أثبت ذلك بالبينة.
حكي عن الشيخ أبي الحسن الكرخي رحمه الله: أنه كان يقول: تأويل المسألة أن الشهود شهدوا أن المولى أعتقه وهو عالم بالجناية؛ لأن الإعتاق مع العلم بالجناية، والصحيح أن الشهادة على العلم بالجناية ليست بشرط، لأن المولى قد علم بالجناية أول مرة.
ثم إذا قضى القاضي بدية المقتول وقبض الأولياء الدية من المولى رجع الشهود جميعًا عن الشهادة، فإن شاهدا الجناية يضمنان للمولى قيمة العبد ألف درهم، وشاهدا الإعتاق يضمنان عشرة آلاف درهم للمولى، ألف درهم منها قيمة العبد، وتسعة آلاف تمام الدية مع الألف التي ضمنها شاهدي الجناية.
والأصل في هذا أن الشاهد إنما لا يضمن عند الرجوع ما صار مستحقًا بشهادته، وجناية العبد إذا أوجبت المال فرقبته تصير مستحقة بنفس الجناية، وإن كانت لا تملكه إلا بالتسليم كأصل الدية تصير مستحقة بنفس قتل الخطأ، وإن كان لا يملك إلا بالقبض حتى لا تصح الكفالة بالدية إلا أن الشرع أثبت للمولى ولاية استصغاء الرقبة بإختيار الفداء، فيصير وجوب الفداء متعلقًا بعلة ذات وصفين: الجناية والاختيار، فإن كل واحد منهما مؤيد في الوجوب، أما الجناية فظاهر، وأما الاختيار؛ فلأن الاختيار التزام المال، والتزام عرف مؤثرًا في اللزوم، فصار وجوب الفداء متعلقًا بالجناية والاختيار من هذا الوجه والاختيار أحدهما فيضاف وجوب الفداء إلى الاختيار، ورقبة العبد مستحقة بالجناية وحدها، فيضاف استحقاقها إلى الجناية لا غير، إذا ثبت هذا فنقول: شهود الجناية أثبتوا استحقاق رقبة العبد لولي الجناية بشهادتهم إذ العتق لم يكن في تلك الحالة، فصاروا متلفين رقبة العبد على المولى بشهادتهم، وذلك التلف لا يرتفع بالشهادة الثانية الناقلة إلى الدية وإن لم تبق رقبة العبد مستحقة بعد الشهادة الثانية؛ لأنه لم يسلم للمولى ما صار مستحقًا بالشهادة الأولى إلا بضمان مثله وزيادة، فيبقى التلف معنى، فيبقى عليهم ضمان ذلك الإتلاف، وأما شهود الإعتاق فقد أتلفوا على المولى الرقبة والدية؛ لأنهم شهدوا بالإعتاق، والإعتاق مزيل ملك الرقبة ويدل على اختيار الفداء، فصاروا متلفين على المولى الرقبة والدية، الآن قدر الألف من بدل النفس غرم شاهد الجناية، فلا يغرم شاهد الإعتاق من بدل النفس إلا تسعة آلاف درهم، ويغرمان أيضًا قيمة العبد ألف درهم، فيغرمان عشرة آلاف درهم من هذا الوجه.
ولو شهد شاهدان أن المولى أعتق عبده أمس، وقضى القاضي بشهادتهما وأعتق العبد، ثم شهد آخران أن العبد قتل ولي هذا أول من أمس، والمولى يعلم بذلك قضى بالدية على المولى؛ لأن الجناية إذا ثبتت والمولى عالم بها أول من أمس كان من ضرورته أن يكون الإعتاق أمس اختيارًا للفداء، فإن رجع الشهود عن شهادتهم ضمن شاهدا الإعتاق قيمة العبد ألف درهم؛ لأن شاهدا الإعتاق هاهنا أثبتا اختيار الفداء؛ لأن الجناية لم تكن ظاهرة وقت شهادتهما بالإعتاق؛ ليكون القضاء بالإعتاق قضاء بالدية، فصار شهود العتق متلفين على المولى قيمة العبد دون الدية، فيضمنان القيمة لا غير لهذا، بخلاف المسألة الأولى؛ لأن في المسألة الأولى الجناية كانت ظاهرة عند القاضي وقت القضاء بالعتق، فكان القضاء بالإعتاق قضاء بالفداء، ويضمن شهود الجناية عشرة آلاف درهم؛ لأنهم شهدوا بجناية معلومة قد اختار المولى فيها، فإن إعتاق العبد مع العلم بالجناية اختيار للفداء وهم شهدوا بجناية معلومة للمولى عند الإعتاق، فكانوا ملتزمين بشهادتهم إياه الدية، فلهذا ضمنوا الدية، ولو حضر الشهود جميعًا عند القاضي، فشهد شهود الجناية وشهود العتق بما قلنا في المسألة الثانية، فإن العبرة بحالة القضاء لا بحال أداء الشهادة لما مر أن الشهادة إنما تصير حجة بإيصال القضاء بها، فإن زكّى شهود العتق أولًا، فقضى القاضي به ثم زكّى شهود الجناية فهو نظير الفصل الثاني، وإن زكّى شهود الجناية أولًا فقضى القاضي ثم زكّى شهود العتق فهو نظير الفصل الأول، وإن زكّوا جميعًا ووقع القضاء بالعتق والجناية معًا، فهذا وما لو وقع القضاء بالجناية أولًا ثم بالعتق سواء، وإنما كان كذلك، لأن القاضي إنما يقضي على حسب ما شهد به الشهود والشهود شهدوا بالجناية سابقًا؛ لأن شهود الجناية شهدوا أنه حتى أول من أمس والمولى علم به، وشهود العتق شهدوا أنه أعتقه أمس، فإذا وقع القضاء بشهادتهم معًا كان القضاء واقعًا بالجناية أولًا، ومتى كان هكذا صارت هذه المسألة وتلك المسألة سواء.
ولو شهد شاهدان على رجل أن عبده قتل فلانًا خطأ أول من أمس والمولى يعلم بذلك وقيمة العبد ألف، وشهد آخران أن المولى قال له أمس: إن دخلت الدار فأنت حر ثم شهد آخران أنه دخل الدار اليوم، وقضى القاضي بالجناية وبعتقه وبالفداء على المولى ورجع الشهود جميعًا عن شهادتهم، فشهود الجناية يضمنون ألفًا وشهود اليمين يضمنون عشرة آلاف درهم، ولا ضمان على شهود الشرط وهم شهود دخول الدار، ولو كان مكان الشهادة على تعليق العتق بدخول الدار شهادة على تعريض العتق إلى فلان بأن شهد شاهدان أنه جعل أمس أمر عبده في العتق إلى فلان يعتقه متى شاء، وإنما قيده بقوله يعتقه متى شاء، حتى لا يقتصر على المجلس، وشهد آخران أن فلانًا أعتقه اليوم وباقي المسألة بحاله كان الضمان على شهود الإعتاق لا على شهود التفويض.
والفرق: أن ضمان العتق إنما يجب على من أوجب العتق، ففي المسألة الأولى شهود اليمين هم الذين أوجبوا العتق إنما يثبت بكلمة الإعتاق إلا أن تعلق الجزاء بالشرط كان مانعًا كلمة الإعتاق، فعند زوال المانع كان العتق مضافًا إلى كلمة الإعتاق وذلك ثابت بشهود اليمين دون شهود الشرط.
وفي المسألة الثانية: شهود الإعتاق هم الذين أثبتوا كلمة الإعتاق وشهود التفويض إنما أثبتوا صيرورة المفوض إليه مالكًا أمر عبده وقيامه مقام المالك، ثم العتق من المولى لا يثبت بدون كلمة الإعتاق، فكذا ممن قام مقامه، وكلمة الإعتاق إنما تثبت بشهود الإعتاق دون شهود التفويض فلهذا افترقا.
وعن محمد رحمه الله في (الإملاء): شاهدان شهدا على رجل أنه قتل ابن هذا الرجل عمدًا وشهد هذان الشاهدان على رجل أنه قتل ابن هذا الرجل عمدًا، وشهد هذان الشاهدان على هذا الرجل أيضًا: أنه قتل ابن هذا الرجل الآخر عمدًا، والأبوان يدعيان ولا وارث لهذين المقتولين غير هذين الأبوين، فقضى القاضي بالقصاص وقتله الأبوان ثم رجعا عن أحد الابنين وقالا: لم يقتل ابن هذا، ضمنا نصف الدية إن شاء الشاهدان وإن شاء الأب القاتل الذي جاء ابنه حيًا ولو كان المقتول ابني رجل واحد فقضى القاضي له بالقصاص وقتله الأب بابنيه، ثم رجع الشاهدان عن قتل أحد الابنين فلا ضمان عليهما؛ لأن الأب إذا كان واحدًا فقتله المقتول بقصاص واحد وبقصاصين سواء، ألا ترى أن الشاهدين لو لم يرجعا عن شهادتهما ورجع أحد الابنين حيًا لم يغرم الشاهدان شيئًا.
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه سرق من عبد الله ليلة الجمعة مئة وشهدا عليه بعينه أنه سرق من عمرو ليلة السبت عشرة دنانير، وقضى القاضي عليه بالقطع وقطع يده ثم رجعا عن إحدى السرقتين، فلا ضمان عليهما؛ لأن اليد إنما قطعت بالحد فصار ذلك كأنه شيء واحد.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف: رجلان شهدا على أبيهما بالقتل وقتل ثم رجع أحدهما، فعلى الراجع نصف الدية ولا ميراث للراجع في شيء من مال الأب، وإنه خلاف ظاهر الرواية؛ لأنه مسبب والمسبب لا يحرم عن الميراث، ولو شهدا على أبيهما بدين ألف درهم لرجل وقد مات أبوهما، فقضى عليه بها ومعهما أخ آخر، ثم رجع أحدهما فإن الراجع يضمن الذي لم يشهد على أبيه نصف حصته من الألف، ولا يضمن الآخر شيئًا من قبل أنه يقول له لما شهدت فقد أقررت بالدين قال: ولا نسبه، هذه الشهادة على الكل.
وفي (الجامع) شاهدان شهدا على رجل أنه قتل ولي هذا الرجل خطأ، فقضى القاضي بالدية على العاقلة في ثلاث سنين وقبضها الولي ثم جاء المشهود بقتله حيًا، كان للعاقلة الخيار إن شاؤوا ضمنوا الولي؛ لأنه تبين أنه قبض ما ليس له ولاية قبضه، وإن شاؤوا ضمنوا الشاهدين؛ لأنهم أتلفوا الدية على العاقلة حكمًا بغير حق، وهذا لأن التلف وإن حصل بقضاء القاضي إلا أن الشاهدين بشهادتهما ألجأا القاضي إلى القضاء، فإنهما جعلا بحال لو امتنع عن القضاء يأثم فصار التلف الحاصل بقضاء القاضي بهذه الواسطة مضافًا إلى شهادة الشاهدين، فإن ضمنوا الولي فإن الولي لا يرجع على أحد؛ لأنه ضمن بفعله، وملك المضمون حصل له ولم يوجد من أحد جناية عليه بعد ملكه، وإن ضمنوا الشاهدين رجعا بما ضمنا على المولى لأنهما بأداء الضمان ملكا المضمون من وقت الإتلاف، فصار الولي جانيًا عليهما بأحد ملكهما، فلهذا كان لهم حق الرجوع على الولي.
فإن شهدا بقتل العمد وقضى القاضي بالقصاص، فقتله الولي ثم جاء المشهود بقتله حيًا لا قصاص على واحد منهم، أما الولي؛ فلأن قضاء القاضي جاء شبهة في حقه، وأما الشاهدان فلأنه لم يوجد منهما المباشرة والقصاص جزاء المباشرة، ولكن ورثة القتيل بالخيار إن شاؤوا ضمنوا الولي وإن شاؤوا ضمنوا الشاهدين؛ لأن الولي قتله حقيقة بغير حق، والشهود قتلوه حكمًا بغير حق، فإن ضمنوا الولي لا يرجع على أحد لما مر، وإن ضمنوا الشهود فالشهود لا يرجعون بذلك على الولي في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يرجعون.
فوجه قولهما: أن الواجب هاهنا القصاص لكون القتل عمدًا، إلا أنه انقلب مالًا لتعذر استيفائه، والقصاص المنقلب مالًا في الانتهاء بمنزلة المال الواجب في الابتداء حتى يقضي ديونه وينفذ وصاياه منه، ولو كان المال واجبًا من الابتداء، فإن كان القتل خطأ، قد بينّا أن الشهود يرجعون على الولي بما يضمنون كذا هاهنا، وأبو حنيفة رحمه الله فرق بين الفصلين، فقال: إذا كان المال واجبًا من الابتداء، فالشهود إنما يرجعون على الولي باعتبار أنهم ملكوا المضمون على ما مر، هذا المعنى لا يمكن تحقيقة في القصاص المنقلب مالًا؛ لأن المضمون هو الدم، والدم ليس يقابل للملك فلهذا افترقا.
فإن قيل: ينبغي أن يظهر ملك المضمون هاهنا في حق الملك البدل كمن غصب من أجر المدبر أو جاء آخر وغصبها منه وأجاز المولى تضمين الأول يصير المدبر ملكًا للأول في حق ملك البدل على الثاني حتى كان للأول، ولأنه تضمين الغاصب الثاني.
قلنا: المدبر مال متقوم ولهذا صح تسميته مهرًا في باب النكاح، إلا أنه تعذر نقله من ملك بحقه ولما كان مالًا متقومًا أمكن إظهار الملك فيه في حق تملك البدل إن لم يكن إظهار الملك فيه في حق أحكام أخر. فأما الدم فليس بمال أصلًا، ولهذا لا يصح تسميته مهرًا في باب النكاح، فلم يمكن إظهار الملك فيه أصلًا.
ولو كانت الشهادة في الخطأ أو في العمد على إقرار القاتل والمسألة بحالها، فلا ضمان على الشهود؛ لأنه لم يثبت كذب الشهود لأن المشهود الإقرار بالقتل، وليس من ضرورة حياته عدم إقرار المشهود عليه بالقتل وإنما الضمان على الولي في الفصلين.
وكذلك لو شهدوا على شهادة شاهدين على قتل الخطأ وقضى القاضي بالدية على العاقلة والباقي بحاله، لا ضمان على الفروع إذا لم يثبت كذبهما إذ ليس من ضرورة حياته عدم استشهاد الأصول الفروع على شهادتهم، ولكن يرد الولي الدية على العاقلة، ولو جاء الشاهدان الأصلان وأنكرا الإشهاد أصلًا لم يصح إنكارهما في حق الفرعين، حتى لا يجب عليهما الضمان فلا يجب الضمان على الأصلين أيضًا، وهذا لا يشكل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الأصلين لو رجعا عن شهادتهما بأن أقرا أنهما أشهداهما بباطل لا ضمان عليهما عندهما فهاهنا أولى، وإنما يشكل على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن عنده لو رجع الأصلان عن شهادتهما ضمنا؛ لأن شهادة الأصل صارت منقولة إلى مجلس القاضي، فإنهما شهدا بأنفسهما ثم رجعا، والعذر لمحمد رحمه الله بين إنكار الأصول الإشهاد وبين رجوعهم عن الشهادة: أن شهادة الأصلين عند محمد إنما تصير منقولة إلى مجلس القضاء حكمًا لا حقيقة؛ لأنها موجودة في غير مجلس القضاء حقيقة، والشهادة في غير مجلس القاضي لا يكون سببًا للضمان، وإن ظهر كذب الشهود في الشهادة فاعتبرنا الحكم حال رجوع الأصلين، واعتبرنا الحقيقة حال إنكارهما عملًا بالدليلين بقدر الإمكان.
وإن قال المشهود: نحن أشهدناهما بباطل ونحن نعلم يومئذ إنا كاذبين لم يضمنا شيئًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، خلافًا لمحمد، وقد مرت المسألة مع حججها من قبل ونزيد حجتها وضوحًا فنقول: العمل بالشهادة على الشهادة بخلاف القياس؛ لأن المنقول إلى مجلس القاضي شهادة الأصل في غير مجلس القاضي، والشهادة في غير مجلس القضاء ليس بحجة، والقضاء بما ليس بحجة لا يجوز، لكنا تركنا القياس وجعلنا شهادة الأصل كالموجودة في حق القضاء حكماَ ضرورة إحياء الحقوق، ولا ضرورة إلى جعلها موجودة في حق الضمان بعد الرجوع فبقي على أصل القياس.

.الفصل الحادي عشر: في الرجوع عن الشهادة في الهبة والصدقة والرهنوالعارية والوديعة والبضاعة والمضاربة والإجارة:

عبد لرجل شهد شاهدان عليه أنه وهب هذا العبد من رجل وقبضه، والموهوب له يدعي، والواهب يجحد، وقضى القاضي بشهادتهم ثم رجعا عن الشهادة ضمنا قيمة العبد للواهب والعبد للموهوب له.
فإن قيل: ينبغي أن لا يضمنان للواهب إذا كان العبد قائمًا في يد الموهوب له؛ لأن الواهب قادر على أخذ العبد مادام قائمًا؛ لأن للواهب حق الرجوع في الهبة مادام الموهوب قائمًا، ومع التمكن من الوصول إلى العين لا يصار إلى الضمان.
قلنا: وجوب الضمان للواهب على الشاهدين باعتبار أنهما أزالا العين عن ملكه، وقد عجزا عن رد العين إلى المالك؛ لأن العبد ليس في أيديهما، إنما هو في يد الموهوب له، وهما لا يملكان الأخذ منه، وإذا عجز الشاهدان عن رد العبد بعينه على الواهب كان للواهب تضمينها وإن تمكن الواهب من الأخذ من يد غيره، هذا كما قلنا في غاصب الغاصب مع الغاصب: إذا أقر غاصب الغاصب بالمغصوب للمالك، وأنكر الأول كان للمالك تضمين الغاصب الأول؛ لأن الغاصب الأول ضمن بالغصب وقد عجز عن رده الى المالك فضمن المالك مع أن المالك يتمكن من الأخذ من غاصب الغاصب كذا هاهنا، ويكون العبد للموهوب له. وهل يحل الانتفاع له بالعبد متى علم أن الشهود شهود زور؟ وعن أبي حنيفة في هذا روايتان بناء على أن قضاء القاضي في التبرعات هل ينفذ باطنًا؟ ففي إحدى الروايتين عنه ينفذ باطنًا فيحل الانتفاع به، وفي الرواية الأخرى وهو قول أبي يوسف وهو قول محمد لا ينفذ باطنًا ولا يحل له الانتفاع به، وليس للمولى أن يرجع في الهبة بعدما ضمن الشاهدان وهذا باتفاق الروايات.
أما على الرواية التي قال أبو حنيفة رحمه الله قضاء القاضي في الهبة ينفذ ظاهرًا وباطنًا، فلأنه وصل إليه عوض الهبة حين أخذ الضمان من الشاهدين، أكثر ما في الباب أن العوض وصل إليه من جهة غير الموهوب له، ولكن وصول العوض من غير الموهوب له، في حق قطع الرجوع بمنزلة وصوله من الموهوب له.
وأما على الرواية التي قال قضاء القاضي ينفذ ظاهرًا وباطنًا، فلأن الموهوب وإن بقي على ملك الواهب إلا أنه لما أخذ الضمان من الشاهدين وهو بدل العبد فقد أزال ملكه عن العبد إلى الشاهدين، فكيف ما كان ليس له أن يرجع في العبد بعد تضمين الشاهدين، قال: وله أن يرجع في العبد قبل تضمين الشاهدين وهذا باتفاق الروايات أيضًا، أما على الرواية التي قال بنفاذ القضاء في الهبة باطنًا فالرجوع بحكم الهبة عند عدم وصول العوض إليه، وأما على الرواية التي قال بعدم نفاذ القضاء في الهبة باطنًا له أن يرجع فيها من غير قضاء ولا قضاء لأن الهبة بقيت على ملكه في الباطن، ولو لم يضمن المولى الشاهدين حتى يرجع في الهبة، فليس له أن يضمنها بعد ذلك؛ لأن العين وصل إلى المالك، ووصول العين إلى المالك يوجب براءة الضامن عن الضمان وصل العين إلى المالك من جهة الضامن أو من جهة غيره كما في الغصب.
وإن هلك العين في يد الموهوب له فليس للواهب أن يرجع في قيمة العبد، وهذا على الرواية التي قال بنفاذ القضاء في الهبة ظاهرًا وباطنًا، أما على الرواية التي قال بعدم النفاذ باطنًا، فله أخذ القيمة في الباطن متى ظفر بحبس حقه من ماله؛ لأن الهبة نفذت على ملكه في الباطن، وصار الموهوب له ضامنًا لما قبضها بغير إذن الواهب.
وإن كان العبد قائمًا في يد الموهوب له وضمن الشاهدان القيمة للواهب وأراد الشاهدان أن يأخذا العبد، فليس لهما ذلك، وهذا على الرواية التي قال بنفاذ القضاء بالهبة ظاهرًا وباطنًا، وهما لأنهما لو أخذا العبد أخذاه بعد أنهما ملكاه من جهة الواهب بالضمان، ولا وجه إليه؛ لأن العبد على هذه الرواية صار ملكًا من جهة الواهب بالضمان ولا وجه إليه؛ لأن العبد على هذه الرواية صار ملكًا للموهوب له ظاهرًا وباطنًا، ولم يبق محلًا للتملك على الواهب، وعلى الرواية التي قال بعدم نفاذ القضاء باطنًا يصير العبد ملكًا للشاهدين بأداء الضمان من جهة الواهب في الباطن، فيحل له أن يأخذه وينتفع به، وكل جواب عرفته في الهبة فهو الجواب في الصدقة إلا في فصل وهو الرجوع، فإنه لا رجوع في الصدقة بخلاف الهبة على نحو ما ذكرنا.
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم دين وهو مقر، فادعى رب الدين على المديون أنه رهنه عبدًا له وقبضه منه والمديون يجحد ذلك وقضى القاضي بالرهن بشهادتهما ثم رجعا عن شهادتهما، فهذه المسألة على وجهين:
الأول: أن يرجعا بعد موت العبد، وفي هذا الوجه إن لم يكن في قيمة العبد فضل على الدَّين، فلا ضمان عليهما، وإن كان في قيمة العبد فضل على الدين ضمنا الفضل للراهن؛ لأن في الوجه الأول أزالا يده عن العبد بعد.....، وفي الوجه الثاني أزالا يده عن الفضل على الدين من غير رضاه ومن غير عوض.
الوجه الثاني: أن يرجعا في حال حياة العبد، وفي هذا الوجه لا ضمان عليهما وإن كان في قيمة العبد فضل على الدين، وكان ينبغي أن يضمنا الفضل؛ لأنهما أزالا يده عن الفضل بغير عوض، كما لو رجعا بعد موت العبد.
والجواب وهو الفرق بين الفصلين: أن زوال يد المرتهن عن الفضل حال حياة العبد، حصل تبعًا لزوال يده عن المضمون؛ لأن الفضل لا يمتاز عن المضمون في الحبس، ولهذا صار الكل محبوسًا عن الراهن، وإن لم يثبت حكم الرهن في الفضل حتى يهلك الفضل أمانة.
قلنا: ولم يجب الضمان عليهما في المضمون لأن إزالة اليد عن المضمون حصلت بعوض يعدله، فلا يجب الضمان في الفضل أيضًا؛ لأن حكم التبع لا يخالف حكم الأصل، أما بعد هلاك العبد لم يبق الفضل تبعًا للمضمون، ولأن قدر المضمون بعد الهلاك يصير ملكًا للمرتهن، وقدر الفضل لا يصير ملكًا له وإذا زالت التبعية بعد الهلاك زال المانع من وجه الضمان بعد إزالة اليد. هذا إذا كان الطالب يدعي الرهن والمطلوب يجحد، فأما إذا كان المطلوب يدعي الرهن والطالب يجحد، فإن كان الرهن قائما في يد المرتهن، فالقاضي لا يقضي بالرهن ببينة المطلوب في رواية كتاب الرهن وفي رواية هذا الكتاب يقضي، وجه ما ذكر كتاب الرهن أن الجحود في العقد صار كناية عن الفسخ فيوجب الفسخ متى فضل ممن يملك الفسخ والمرتهن يملك الفسخ، بانفراده مادام الرهن قائمًا؛ لأن عقد الرهن غير لازم من جانبه، وصار جحوده بمنزلة قوله: فسخت الرهن، وبعدما قال المرتهن فسخت الرهن، القاضي لا يقضي بالرهن فكذا هاهنا.
وجه ما ذكر في هذا الكتاب أن الجحود والعقد كما يصلح كناية عن الفسخ يصلح عبارة عن إنكار العقد من الأصل، بل هو رفع العقد بعد وجوده، والقضاء بالعقد بعد وجود ما يرفعه متعذر، وإن كان الرهن هالكًا في يد المرتهن، فالقاضي يقضي بالرهن ببينة المطلوب باتفاق الروايات؛ لأن جحود المرتهن الرهن بعد هلاك الرهن يجعل كناية عن الفسخ؛ لأن بعد هلاك الرهن هو لا يملك الفسخ، فيجعل إنكارًا للعقد من الأصل، فيتمكن الراهن من إثباته بالبينة.
وإذا قضى القاضي بالرهن ببينة المطلوب في هذه الصورة ثم رجعوا عن شهادتهم لا شك أنهما لا يضمنان الفضل للراهن؛ لأنهما أزالا يده عن الفضل برضاه إذا كان هو المدعي للرهن وهل يضمنان للمرتهن قدر الدين بعده؟ فإن رجعا فالمسألة على التفصيل:
إن رجعا عن الرهن والقبض بأن قالا: ما رهن ولا سلم إليه شيئًا، وإنّا كذبنا في كلا الأمرين، فإنهما يضمنان الدين للمرتهن؛ لأنهما أقرا أنهما أبطلا حقه في الدين بغير عوض لما رجعا عن الرهن والقبض؛ لأنهما زعما أنه ليس إليه شيء فكان بمنزلة ما لو شهدا بقبض الثمن ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يضمنان قيمة المبيع للبائع، وطريقه ما قلنا.
فأما إذا رجعا عن الرهن ولم يرجعا عن التسليم بأن قالا: سلم هو إليه هذا العبد إلا أنه ما رهنه منه، وفي هذا الوجه لا ضمان عليهما، وكان ينبغي أن يجب عليهما الضمان؛ لأن التسليم إذا كان بإذن المالك من غير عقد الرهن كان التسليم بجهه الإيداع، وبهلاك الوديعة في يد المرتهن لا يصير المرتهن مستوفيًا للدين، فيكون هلاك الدين بغير عوض وقد أتلفا الدين على المرتهن بغير عوض فيضمنان.
قلنا: التسليم وإن كان بحق الإيداع إلا أن المرتهن لما جحد صار ضامنًا له، فإذا هلك يكون مضمونًا عليه وله عليه مثله، فيلتقيان قصاصًا.
وإذا شهد شاهدان بوديعة في يدي رجل والمودع يجحد ذلك فقضى عليه القاضي بالقيمة ثم رجعا فإنهما يضمنان ذلك؛ لأن الشهادة بالوديعة المجحودة والشهادة بالدين سواء.
ولو شهدا بدين ثم رجعا فإنهما يضمنان ذلك كذا هاهنا، وكذلك البضاعة و... على هذا.
وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة وعمل المضارب بها وربح، ثم اختلف رب المال والمضارب، فقال المضارب: أعطيتني بالنصف، وقال رب المال: لا بل بالثلث، فشهد شاهدان للمضارب بالنصف وقضى القاضي بشهادتهما، فقبض المضارب نصف الربح ورد رأس المال مع نصف الربح على رب المال، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما فإنهما يضمنان لرب المال سدس الربح؛ لأن القول قول رب المال إنه شرط له الثلث لولا شهادتهما؛ لأن الربح يستفاد من جهته؛ فإنما استحق المضارب السدس الزائد بشهادتهما وقد أقرا بالرجوع أنهما أتلفا ذلك عليه بغير حق. وإن كان الربح كله دينًا لم يقبض فلا ضمان عليهما حتى يقبض المضارب ذلك، وإذا قبض المضارب ذلك اقتسماه نصفين وضمن الشاهدان لرب المال سدسه؛ لأن وجوب الضمان لرب المال على الشاهدين بتفويت اليد على رب المال ولا يتحقق ذلك ما لم يخرج الدين ويصل إلى المضارب حصته، فعند ذلك يتم التفويت عليه بشهادتهما.
ولو شهدا أنه أعطاه بالثلث والباقي بحاله، فلا ضمان عليهما في هذه الصورة للمضارب؛ لأنهما لم يتلفا على المضارب شيئًا، فإنه لولا شهادتهما لكان للمضارب الثلث بقول رب المال، فما أتلفا على المضارب شيئًا بشهادتهما، بخلاف ما إذا شهدا بالنصف حيث ضمنا لرب المال السدس، لأن هناك أتلف على رب المال السدس بشهادتهما على ما مر، أما هاهنا بخلافه.
وإذا شهد شاهدان بإجارة دابة وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا عن شهادتهما، فهذه المسألة على وجهين:
الأول: أن يكون المدعي للإجارة المستأجر، وفي هذا الوجه لا ضمان على الشاهدين لصاحب الدابة وإن كان أجر مثل الدابة أكثر من المسمى؛ لأنهما أتلفا على صاحب الدابة فيما زاد على المسمى مجرد منفعة من غير عقد؛ لأنه لا عقد فيما وراء المسمى، ومجرد المنفعة من غير عقد لا يضمن عندنا بالإتلاف الحقيقي، فكذا بالإتلاف الحكمي بالشهادة.
وإن كان المدعي للإجارة صاحب الدابة والمستأجر ينكر، ينظر إلى الأجر المسمى وإلى أجر مثل المستأجر، إن كان أجر مثل المسمى أو أكثر، لا ضمان عليهما للمستأجر أصلًا وإن أتلفا على المستأجر الأجر؛ لأنهما أتلفا(ه) بعوض يعدله.
فإن قيل: كيف يكون الإتلاف بعوض يعدله ولم يستوف المستأجر بإزاء ما وجب عليه من الأجر سوى مجرد المنفعة، ومجرد المنفعة لا قيمة لها من غير عقد ولا شبهة عقد، وإذا لم يجب على المستأجر ضمان ما استوفى من المنفعة حتى يلتقيا قصاصًا بما وقع، كيف الإتلاف بعوض؟.
قلنا: مجرد المنفعة لا تتقوم من غير عقد ولا شبهة عقد كما قلتم، وإنما تتقوم بالعقد بقدر ما قوم، وقد حصل التقويم بالأجر المسمى بقضاء القاضي؛ لأن عقد الإجارة ثبت بقضاء القاضي في الظاهر والباطن عند أبي حنيفة وإن كان الشهود زورًا، وإذا ثبت التقوم عند أبي حنيفة بقدر الأجر وجب على المستأجر باستيفاء ما استوفى من الأجر وقد سلم ذلك له بما أدى، فكان إتلافًا بعوض، وعلى قول من يقول بأن عقد الإجارة يثبت بقضاء القاضي في الظاهر دون الباطن، فكذا الجواب في الظاهر وفي الباطن لا تثبت الإجارة ولا يثبت الإيجاب، فكان له أخذ قدر الأجر من مال الشاهدين في الباطن متى ظفر به.

.الفصل الثاني عشر: في الرجوع عن الشهادات على المال وعلى الدينوعلى الإبراء عن الدين وما يتصل بذلك:

ادعى على رجل مئة درهم وشهد له شاهد على إقرار المدعى عليه بدرهم، وشهد آخر على إقرار المدعى عليه بدرهمين، وشهد الآخر على إقرار المدعى عليه بثلاثة دراهم، وشهد آخر على إقرار المدعى عليه بأربعة دراهم، وشهد آخر على إقرار المدعى عليه بخمسة دراهم، فإن على قول أبي حنيفة: القاضي لا يقضي للمدعي بشيء، وعلى قولهما يقضي بأربعة إن زعمت الشهود أن الأقارير في مجلس واحد؛ لأن على الأربعة شاهدان وهو الشاهد الرابع والخامس، لأن الأربعة في الخمسة. ولا يقضي بالدرهم الخامس إذ ليس عليه إلا شاهد واحد وهو الخامس، وإن زعمت الشهود أن الأقارير كانت في مجالس مختلفة فعند أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد رحمه اللّه، (.........) فيقضي بالأربعة أيضًا، وعند أبي يوسف الأول هذه أموال مختلفة فقضى له بسبعة، لأنه شهد على الأربعة شاهدان الرابع والخامس فيقضي بأربعة بشهادتهما، وشهد بالدرهمين اثنان الثاني والثالث فيقضى بالدرهمين شهادتهما، وشهد بالدرهم ثلاثة الأول والثالث والخامس فيقضي بالدرهم بشهادتهم، فقد ضم إلى الشاهد الأول الشاهد الثالث والخامس ولم يضم إليه الشاهد الثاني والرابع، وإنما فعل هكذا لأن جميع ما شهد به الثاني وهو اثنان قد قضى به مرة، وجميع ما شهد به الرابع وهو أربعة قد قضى بها مرة، والشاهد متى قضي بجميع ما شهد به مرة لا يقضى بشهادته ثانيًا، فأما الخامس فما قضي بجميع ما شهد به مرة؛ لأنه شهد بالخمسة وقد قضي بشهادته بالأربعة، وكذلك الثالث ما قضي بجميع ما شهد به مرة؛ لأنه شهد بالثلاثة وقد قضي بشهادته بالدرهمين، فلهذا ضم الخامس والثالث إلى الأول، ثم إذا قضي بسبعة دراهم عند أبي يوسف الأول، ورجع الشهود عن شهادتهم ضمن كل شاهد ما قضى القاضي بشهادته، فالأربعة حصل القضاء (بها) بشهادة الرابع والخامس، فيضمنان ذلك بالسوية، والدرهمان حصل القضاء بهما بشهادة الثاني والثالث فكان ضمان ذلك عليهما والدرهم الواحد حصل القضاء بها بشهادة الأول والثالث والخامس، فكان ضمان ذلك عليهم، وعند أبي يوسف الآخر وهو قول محمد لما قضى بأربعة دراهم كان ضمان الدرهم الأول عليهم أخماسًا، لأن القضاء به وقع بشهادة الخمسة وضمان الدرهم الثاني يكون على الثاني والثالث والرابع والخامس أرباعًا؛ لأن القضاء به وقع بشهادة هؤلاء، وضمان الدرهم الثالث يكون على الثالث والرابع والخامس أثلاثًا؛ لأن القضاء به وقع بشهادة هؤلاء، وضمان الدرهم الرابع يكون على الرابع والخامس نصفان؛ لأن القضاء به وقع بشهادتهما.
وفي (المنتقى) رجل مات وترك مئة درهم، فادعى رجلان كل واحد منهما على الميت مئة درهم، وأقام شاهدين بمحضر من الوارث وقضى القاضي لكل واحد منهما بمئة درهم، وقسمت المئة المتروكة بينهما نصفان، ثم رجع شاهد أحد الرجلين عن خمسين درهمًا، وقال: لم يكن له إلا خمسون درهمًا غرما للغريم الآخر ثلث الخمسين، وذلك ستة عشر وثلثان؛ لأن في زعم الراجعين أن حق الآخر ضعف حق الذي شهدا له وأن الواجب المئة بينهما أثلاثًا، ثلثها وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث للذي شهدا له، وثلثاها ستة وستون وثلثان للآخر، وإنما قسمت المئة بينهما نصفان بشهادتهما بالمئة، فصارا متلفين على الآخر ما زاد على ثلاثة وثلاثين إلى تمام خمسين، وذلك ستة عشر وثلثان وهو ثلث الخمسين، فيضمنان ذلك القدر.
وفيه أيضًا: رجل مات وترك ألف درهم، فادعى رجل على الميت ألف درهم، وأقام على ذلك بينة، وادعى رجل آخر عليه ألف درهم أيضًا وأقام على ذلك بينة، وقضى القاضي بالألف بين المدعيين ثم رجعوا، ضمن كل شاهد خمسمئة، وإن رجع شاهد أحد المدعيين لم يضمنا للوارث شيئًا؛ لأن هاهنا من قد استحق الألف كلها.
ولم يذكر في (الكتاب) هل يضمنان للمدعي الآخر، وعلى قياس المسألة الأولى ينبغي أن يضمنا، وإن رجع بعد ذلك شاهدا المدعي الآخر، فهذا وما لو رجعوا جملة سواء مع المباشر إذا اجتمعا كان الضمان على المباشر إذا لم يصر الإتلاف منقولًا إلى المسبب؛ والإتلاف هاهنا لم يصر منقولًا إلى المسبب؛ لأن الوكيل مختار في القبض وليس بمجبر عنه بخلاف القاضي؛ لأن القاضي مجبر على القضاء، فيصير فعله منقولًا إلى الشاهد.
وإذا شهد رجلان على رجل بألف درهم، وشهد رجل وامرأتان عليه بتلك الألف وبمئة دينار وقضى القاضي بالكل ثم رجع الفريق الثاني عن الدراهم دون الدنانير، فلا ضمان عليهم؛ لأنه قد بقي على الدراهم من يتم الحجة بشهادته وهو الفريق الأول، ورجوع الفريق الثاني عن الدراهم لا يكون رجوعًا عن الدنانير، فلهذا قال: لا ضمان عليهم، فإن رجعوا جملة فضمان الدنانير على الفريق الثاني خاصة، وضمان الدراهم على الفريق الأول والثاني نصفان؛ لأن الدراهم تثبت بشهادة الفريقين جميعًا.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): أربعة شهدوا على رجل بأربعمئة درهم وقضى القاضي بها، ثم رجع واحد منهم عن مئة، وواحد منهم عن مئتين وواحد منهم عن ثلاثمئة وبقي شاهد واحد لم يرجع، فإن على الراجعين خمسون درهمًا أثلاثًا، وهذا لأن العبرة في هذا الباب لبقاء من بقي من الشهود لا لرجوع من رجع، والشهادة قد بقيت بمقدار ثلاثمئة وخمسين؛ لأن الراجع عن مئة منها بقي شاهدًا بثلاثمئة، والذي لم يرجع بقي شاهدًا بأربعمئة، فيبقى على ثلاثمئة شهادة شاهدين، فلا يجب ضمانهما على أحد، وأما المئة الزائدة فعليها شاهد واحد، وهو الذي لم يرجع أصلًا، فيبقى ببقائه نصفها، وذلك خمسون فعرفت أن التالف بمقدار خمسين، فيجب على الراجعين هذا القدر، ويجب عليهم ذلك أثلاثًا؛ لاستوائهم في إيجابه، ولو رجع الرابع أيضًا عن الأربعمئة، فإن عليهم ضمان مئة وخمسين؛ لأن الشهادة قد بقيت بمقدار مئة وخمسين؛ لأن الراجع عن مئة بقي شاهدًا بثلاثمئة، والراجع عن مئتين بقي شاهدًا بمئتين، فبقي على المئتين هاهنا شاهد واحد وهو الراجع عن المئة، فبقي ببقائه نصفه وذلك خمسون، فعرفت أن التالف بمقدار مئة وخمسين، فيجب على الراجعين ضمان ذلك، غير أن ضمان المئة يجب عليهم أرباعًا لاستوائهم في إيجابها والرجوع عنها وأما ضمان الخمسين، فلا يجب شيء منه على الراجع عن المئة؛ لأنه لم يرجع عن المئة التي هي الخمسون نصفها، بل بقي هو على الشهادة فيها، ولأجله بقي نصفها، ولكن يجب على الراجعين الباقين أثلاثًا؛ لاستوائهم في إيجابها والرجوع عنها.
قال في (الأصل): وإذا شهد أربعة على رجل بحق، شهد اثنان عليه بخمسمئة، وشهد اثنان بألف وقضى القاضي بشهادتهم، ثم رجع أحد شاهدي الألف، فإن عليه ربع الألف؛ لأن نصف الألف، وذلك خمسمئة تفرد بها شاهدا الألف، وقد بقي على ذلك صاحبه، وبه يقوم نصف الحق، فكان التالف بشهادة هذا الراجع عن الخمسمئة التي تفرد بإيجابها نصفها وهو الربع الألف، وإن رجع معه شاهد الخمسمئة فعليه ربع الألف خاصة لما بينا، وعليه وعلى شاهدي الخمسمئة ربع الألف أثلاثًا؛ لأن الشهود على الخمسمئة أربعة وقد بقي من يقوم به نصفها، وهو أحد شاهدي الألف، فكان التالف برجوع هؤلاء من الخمسمئة نصفها، فيجب ضمان ذلك عليهم أثلاثًا، وإن رجع أحد شاهدي الخمسمئة وحده أو رجعا، فلا ضمان عليهما؛ لأنه قد بقي على هذه الخمسمئة شاهدا الألف، وإن رجعوا جملة فعلى شاهدي الألف ضمان الخمسمئة التي تفرد بإيجابها، والخمسمئة الأخرى ضمانها على الفريقين أرباعًا؛ لأنها تثبت بشهادة الفريقين، وإن رجع أحد شاهدي الخمسمئة وشاهدا الألف فإن على شاهدي الألف نصف الألف خمسمئة، وعليهما وعلى شاهدي الخمسمئة ربع الألف أثلاثًا؛ لأن الخمسمئة الأخرى ثبتت بشهادة الأربع وقد بقي عليها من يقوم به نصفها، فكان التالف من الخمسئة الأخرى نصفها وهو ربع الألف فيكون ذلك على الراجعين أثلاثًا، وإن رجع أحد شاهدي الألف وأحد شاهدي الخمسمئة كان على أحد شاهدي الألف ربع الألف ولا شيء على أحد شاهدي الخمسمئة والله أعلم.

.الفصل الثالث عشر: في رجوع الشاهدين عن الشهادة في المواريث:

قال محمد رحمه الله: رجل مات وترك عبدين وأمة وأموالًا، فشهد شاهدان لرجل أنه أخ هذا الميت لأبيه وأمه، ووارثه لا وارث له غيره، فقضى القاضي له بالعبدين والأمة والأموال ثم شهد شاهدان بعد ذلك لأحد العبدين بعينه أنه ابن الميت، وأجاز القاضي شهادتهما وأعطاه الميراث وحرم الأخ عن الميراث، ثم شهد آخران أن العبد الباقي ابن الميت وأجاز القاضي ذلك كله وجعله وارثًا مع الأول وقسم المال بينهما نصفين ثم شهد شاهدان أن الميت أعتق هذه الأمة في حياته وصحته وتزوجها، وقضى القاضي بنكاحها، وقضى لها الثمن بالمهر وجعل لها الثمن وكل واحد يجحد صاحبه أن يكون وارثًا، ثم رجع الشاهدان اللذان شهدا بالابن الأول عن شهادتهما، فإنهما يضمنان جميع قيمة الابن الأول للابن الثاني والأمة بينهما أثمانًا، سبعة أثمانها للابن الثاني، وثمنها للمرأة، ويضمنان جميعًا ما ورثه الابن الأول للابن الثاني؛ ولا يضمنان للمرأة من ميراث الأول شيئًا، أما يضمنان جميع قيمة الابن الأول للابن الثاني والمرأة؛ لأن في زعمها عند الرجوع أنهما أتلفا الابن الأول على الميت، وأنهما ضمنا قيمته وصار ذلك ميراثًا للابن الآخر والأمة على ثمانية أسهم، لأن في زعمهما أن الابن الأول لم يكن وارثًا ولم يصر وارثًا بقضاء القاضي؛ لأن الأب ميت والنسب لا يثبت بقضاء القاضي بشهادة الزور بعد موت الأب، فصارا مقرين للابن الثاني والأمة بجميع القيمة على ثمانية أسهم وقد صدقهما الابن الثاني، والأمة في ذلك حيث جحدا (.
..) الابن الأول، وأما يضمنان جميع ما ورثه الابن الأول للابن الثاني لأنهما بشهادتهما أتلفا على الابن الثاني ذلك؛ لأن الشهادة حصلت بعد موت الأب، فكان استحقاق الابن الأول الميراث مضافًا إلى شهادتهما ولا يضمنان للمرأة من ذلك شيئًا، لأنهما لم يتلفا على المرأة شيئا من حقها في الميراث؛ لأن حقها ثمن جميع المال سواء كان للميت ابن واحد أو أكثر من ذلك وقد استوفت ثمنها من جميع أموال الميت، إنما لم تستوف من قيمة الابن الأول؛ لأنها ظهرت بعد موت الزوج، فيستوفي الابن ذلك ليتم حقها، وإذا استوفت المرأة تمام حقها لا يضمنان لها شيئًا، وكذلك لا يضمنان للأخ شيئًا؛ لأن ما استحق بشهادتهما على الأخ استحق عليه بشهادة غيرهما وهو شاهد الابن الثاني ففي حق الأخ بقي على الشهادة حجة تامة في حق استحقاق الإرث عليه هذا الذي ذكرنا إذا كان يكذب بعضهم بعضًا يزعم أنه هو الوارث دون غيره، فأما إذا صدق بعضهم بعضًا في كونه وارثًا والباقي بحاله، فإن شهدا للابن الأول لا يضمنان للابن الثاني ولا للمرأة شيئًا، وإن صارا مقرين عند الرجوع أنهما أتلفا للابن الأول وما ورثه الابن الأول على الابن الثاني والأمة، لأن الابن الثاني والأمة لما صدقا الابن الأول في دعواه أنه ابن الميت، فقد كذبا الشاهدين فيما أقرا لهما من الضمان، والإقرار يبطل بتكذيب المقر له، وكذلك لا يضمنان للأخ شيئًا وإن رجع شاهدا الابن الثاني أيضًا، فإنهما يضمنان قيمة الابن الثاني للابن الأول ولا يضمنان للأمة شيئًا من الميراث لما ذكرنا في المسألة الأولى، وهذا إذا كان يكذب بعضهم بعضًا فأما إذا كان يصدق بعضهم بعصًا، فلا ضمان عليهما للابن الأول ولا للمرأة لما ذكرنا وكذلك لا يضمنان للأخ شيئًا، فإن رجع شاهدا المرأة أيضًا ضمنا قيمة المرأة بين الابن الأول والثاني نصفين ويضمنان المهر وما ورثته الأمة أيضًا بينهما، وهذا إذا كان يكذب بعضهم بعضًا، فأما إذا كان يصدق بعضهم بعضًا، فلا ضمان عليهما في شيء من ذلك لما ذكرنا وهذا الذي ذكرنا إذا كان ثبت وراثة كل واحد منهم بشهادة شاهدين على حدة، فأما إذا ثبت وراثة الكل بشهادة شاهدين بأن شهد شاهدان بنسب الابن الأول والثاني وبعتق الأمة ونكاحها وقضى القاضي بذلك، وكان ذلك بعد موت المولى ثم رجعا عن شهادتهما جملة. فالجواب فيها أن حق الضمان للابنين والمرأة كالجواب في المسألة الأولى حتى إذا جحد بعضهم بعضًا يضمنان قيمة الابن الأول بين الابن الثاني والمرأة على ثمانية أسهم، ويضمنان ميراث الابن الأول للابن الثاني ولا يضمنان للمرأة من ذلك شيئًا ويضمنان قيمة الابن الثاني بين الابن الأول والمرأة أثمانًا، ويضمنان ميراث الابن الثاني للابن الأول، ولا يضمنان للمرأة من ذلك شيئًا، سواء شهدا بذلك في أوقات مختلفة، بأن شهدا للابن الاول وقضى القاضي بذلك ثم شهدا بعد ذلك للابن الثاني والمرأة، أو شهدا بذلك في وقت واحد بعد أن شهدا بنسب كل ابن بدعوة على حدة بأن شهدا أنه ادعى هذا، ثم ادعى الآخر؛ لأن الفريق وإن كان واحدًا من حيث الحقيقة فمن حيث الحكم فرق؛ لأن الثابت بشهادة الفرق ضرورة كل ابن مشهودًا له ومشهودًا عليه، فإن الأكبر كما صار مشهودًا له على الأصغر صار مشهودًا عليه الأصغر وقد ثبت بالفريق الواحد وإذا صار الفريق الواحد فرقًا معنى، كان الجواب في حق الضمان بين المرأة وبين الابنين كالجواب فيما إذا كانوا فرقًا، إذا جحد البعض ضمن الشاهدان على نحو ما بينا، وإن صدق بعضهم البعض، فلا ضمان على الشاهدين على نحو ما بيّنا في الفرق، ففي حق هذا الحكم لا فرق، وإنما الفرق بين الفرق والفريق الواحد في ضمان الأخ، ففيما إذا كان المشهود فرقًا لا يضمن الراجعان للأخ شيئًا وإن أقر الراجعان بوراثة الأخ، وفيما إذا كان الفريق واحدًا ضمنا للأخ إذا أقرا بوراثته.
ووجه الفرق أن الشهود إذا كانوا فرقًا إنما لا يضمن الراجع للأخ شيئًا؛ لأن من حجته أن يقول للأخ لولا شهادتنا.
لكان الحرمان ثابتًا لك بشهادة الفريق الآخر، فما أتلفت عليك، ولا يمكن للفريق الواحد أن يحتج على الأخ بهذه الحجة، لأنه لولا شهادتهم لم (يكن) الحرمان ثابتًا بشهادة غيرهم، إذ ليس هاهنا فريق آخر فالحرمان في حق الأخ ثابت بشهادتهما، وتبين أنهما شهدا بباطل فيضمنان ذلك للأخ.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): رجل مات وترك في يدي رجل ألف درهم وديعة والرجل مقر بها، جاء رجل وادعى أنه عم الميت أخ أبيه وأمه لا وارث له غيره وأقام على ذلك بينة، والعم مقر بأن صاحب اليد مودع الميت، فإن القاضي يجعل المودع خصمًا للعم، فرق بين هذا وبينما إذا كان في يد إنسان وديعة لرجل، جاء رجل وادعى انه اشترى هذه الوديعة من المالك، وأنكر المودع الشراء، فأقام المدعي بينة على الشراء من صاحب الوديعة، فإن المودع لا يجعل خصمًا له.
والفرق ما أشار إليه محمد رحمه الله في (الكتاب): أن الوارث قائم مقام المورث خلف عنه في أملاكه وحقوق عقده الذي باشره، حتى يرد بالعيب ويرد عليه بالعيب، وكونه مودعًا لا يدفع خصومة من أودعه، فكذا لا يدفع خصومة من قام مقامه، ألا ترى أنه لا يدفع خصومة وكيل صاحب الوديعة؛ لكونه قائمًا مقامه، فأما المشتري فليس بقائم مقام البائع، وليس بخلف عنه؛ لأنه بالشراء يثبت له ملك مبتدأ لا بطريق الخلافة من البائع، ولهذا لا يملك الرد على بائعه بالعيب، والمودع إنما ينتصب خصمًا للمودع ولمن قام مقام المودع. ثم إذا قضى القاضي بهذه الشهادة ودفع المال إلى العم جاء رجل وأقام بينة أنه أخ الميت لأبيه وأمه لا يعلم له وارثًا غيره تقبل هذه الشهادة؛ لأنه لا منافاة بين هذه البينة وبين البينة الأولى، فإنه يجوز أن يكون للميت عم وأخ، وهذه البينة قامت على الخصم وهو العم؛ لأن المال في يده وهو يزعم أنه له، وينكر كونه للميت، فينتصب العم خصمًا عنه إذا قضى القاضي بالشهادة الثانية يأخذ المال من العم ويدفعه إلى الأخ لأب وأم؛ لأن الأخ مقدّم على العم في الميراث.
فإذا دفع المال إليه جاء رجل آخر وأقام البينة أنه ابن الميت لا يعلم له وارثًا غيره، قبل القاضي هذه البينة؛ لأنه لا منافاة بين هذه البينة وبينما تقدم من البيِّنتين وهذه البينة قامت على الخصم أيضًا لما قلنا في العم، وإذا قبل القاضي هذه البينة أخذ المال من العم ودفعه إلى الابن، وإذا دفع إلى الابن ثم رجع الشهود جميعًا عن الشهادة، فالقضاء ماضٍ ولا ضمان على شاهدي العم؛ لأن ما أتلف شهود العم مستحق بشهادة شهود الأخ والابن فلم يكن تلف ذلك مضافًا إلى شهود العم.
فإن قيل: هذا إنما يستقيم أن لو بقي شهود الأخ والابن، على الشهادة، وقد رجعوا مع شهود العم.
قلنا: رجوع شهود الأخ والابن إنما يعمل في حقهما ولا يعمل في حق شهود العم كما لا يعمل في حق المشهود عليه، وإذا لم يعمل في حقهم صار كأنهم لم يرجعوا عن شهادتهم ولا ضمان على شهود الأخ أيضًا لما قلنا في شهود العم، وضمن شهود الابن للأخ ما أخذ الابن؛ لأنهم أتلفوا ذلك على الأخ، وذلك غير مستحق بشهادة غيرهم، فلهذا كان عليهم الضمان.
وكذلك لو جاء الشهود جميعًا، إلى القاضي يشهدون على ما وصفنا قبل القاضي شهادتهم، وقضى بها؛ لأنه أمكن القضاء بالدعاوى كلها لعدم المنافاة وقد قامت الحجة على الكل، فيجب القضاء بالكل، ثم إذا قضى القاضي بشهادة الكل ورجعوا جميعًا عن شهادتهم، كان الجواب فيه كالجواب فيما إذا شهدوا على (....)، فلا يضمن شهود العم ولا شهود الأخ، ويضمن شهود ابن الأخ ما أخذ الابن.
حكى الجصَّاص عن الشيخ الإمام أبي الحسن الكرخي رحمه الله أن ما ذكر محمد رحمه الله من الجواب في هذه المسألة أن شهود الابن يضمنون للأخ ما ورثه الابن على الإطلاق غير سديد؛ لأن الشهود متى عدلوا جملة لا يتمكن القاضي من القضاء بالعمومة والأخوة؛ لأنه قارن القضاء بها ما يمنع القضاء بها، وهو قيام البينة العادلة على البنوة؛ لأنها تمنع القضاء بالميراث لهما؛ لأنهما لا يرثان مع الابن، فإذا امتنع القضاء بالميراث امتنع القضاء بالأخوة والعمومة؛ لأن القضاء بالأخوة والعمومة من غير استحقاق ميراث أو نفقة لا يجوز، كما لو تجردت دعوى الأخوة والعمومة عن دعوى المال.
وإذا لم يقض القاضي بالأخوة والعمومة فشهود الابن ما أتلفوا على الأخ شيئًا، فلا يضمنون بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك القضاء للأخ والعم قد صح؛ لأنه لم يقرن بالقضاء بهما ما يمنع القضاء بهما، أما هاهنا فبخلافه.
قال: إلا أن تكون تأويل المسألة أن يكون الأخ أعاد البينة بعد رجوع شاهدي الابن حتى تثبت أخوّته بما أقام من البينة ثانيًا؛ لأنه أمكن للقاضي القضاء بالأخوة في هذه الصورة؛ لأن شهود الابن راجعون عن شهادتهم وقت أقامة الأخ البينة في المرة الثانية.
أو يكون تأويل المسألة: أن الشهود شهدوا جميعًا إلا أن القاضي قضى للعم أولًا لظهور عدالة شهوده، ثم للأخ ثم للابن، فإن في هذه الصورة ينفذ قضاؤه، وإن كان سبيله أن لا يقضي حتى تظهر عدالة شهود الابن أو جرحهم، فأما إذا عدلوا معًا، فلا يصح ما ذكر من الجواب، والى هذا الطعن مال عامة مشايخنا وبعض مشايخنا صححوا المذكور في الكتاب وقالوا: شرط صحة دعوى الأخوة والعمومة والقضاء بهما دعوى حق لسببه لا استحقاق دعوى لسببه لا محالة، وكل واحد منهما ادعى حقًا بما ادعى من الأخوة والعمومة؛ لأن وقت دعواهما البنوة التي يثبت بها حرمان الأخ والعم غير ثابتة، فكان كل واحد منهما مدعى لنفسه حقًا بما ادعى من الأخوة والعمومة، فيقضي القاضي بأخوته وعمومته لوجود شرطه وإن لم يقض له بالمال لتقدم غيره عليه، ألا ترى أنه يقضى بأخوته وعمومته، فإن كان في التركة دينًا محيطًا وهو نظير من يدعي الشفعة بالجوار ويثبت جواره بالبينة، فالقاضي يقضي بذلك وإن كان هناك شريكًا مقدمًا عليه.
وفي (نوادر عيسى بن أبان): رجل مات وترك أخًا معروفًا وترك عبدين وأمة، فشهد شاهدان لأحد العبدين أنه ابن الميت وشهد آخران للآخر أنه ابن الميت وشهد آخران للأمة أنها ابنة الميت، وقضى القاضي بشهادتهم وجعل الميراث بينهم ثم رجعوا عن شهادتهم لم يضمنوا للأخ شيئًا، ويضمن كل فريق من الشهود قيمة الذي شهدوا به وميراثه للأخوين، ولو كان الميت ترك أخًا معروفًا وعبدًا وأمة، فشهد شاهدان للعبد أنه ابنه، وشهد آخران للأمة أنها ابنته، وقضى القاضي بشهادتهم وجعل الميراث كله بين الابن والابنة، ثم رجع الشهود جملة عن شهادتهم، فإن شاهدي الابن يضمنان للأخ نصف الميراث ونصف قيمة العبد، وللابنة سدس الميراث ونصف قيمة العبد من قبل أنه لولا شهادتهما لكان الميراث كله بين الأخ والابنة نصفان، ويضمن شاهدا الأمة قيمتها وميراثها للابن خاصة؛ لأنه لولا شهادتهم لكان جميع ذلك للابن.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف: رجل مات وترك ابن عم وترك ألف درهم في يد ابن العم، فأقام رجل البينة أنه أخوه وقضى القاضي له بالألف، ثم أقام رجل آخر بينة أنه ابنه وقضى القاضي له بالألف، ثم رجع شاهدا الأخ عن شهادتهما، فليس للابن والعم أن يضمنهما، وإن رجع شاهدا الابن بعد ذلك، فللأخ أن يضمن شاهدي الابن، فإذا أخذ الألف من شاهدي الابن، فلابن العم أن يضمن شاهدي الأخ الألف؛ لأن من حجته أن يقول لهما: إنما وصلت هذه الألف إلى الأخ بشهادتكما، وما لم يرجع شاهد الأخ وشاهد الابن فليس لابن العم هاهنا شيء، وإن رجع شاهد الابن أولًا فللأخ أن يضمنهما، فإن رجع شاهدا الأخ بعد ذلك فلابن العم أن يضمنهما.
رجل شهد عليه شاهدان أنه أقر أن هذا ابنه من أمته هذه، والرجل يجحد وقضى القاضي به ثم مات المشهود عليه، فشهد شاهدان بعد موته لصبي كان في يده من أمة له أن الميت أقر عندنا في حال حياته أن هذا الصبي ابنه من أمته هذه، فإن القاضي يقبل هذه الشهادة بمحضر من الابن الأول، ويثبت نسبه ويعتق أمه من جميع المال، ويعطيه نصف ما في يد الابن الأول، فإن رجع الشهود بعد هذا عن شهادتهم ضمن شاهدا الابن الثاني للابن الأول جميع قيمة الابن الثاني وقيمة أمه وما أخذ منه من الميراث؛ لأنهم شهدوا بنسب الابن الثاني بعد موت الأب، ويضمن شاهدا الابن الأول للثاني نصف قيمة الأول ونصف قيمة أمه؛ لأنهم شهدوا بنسبه حال حياة المولى واستمسكا هذا على الأب في حياته، ولا يضمنان له من ميراثه شيئًا، وقد مر جنس هذا فيما تقدم.

.الفصل الرابع عشر: في رجوع الشاهدين عن الشهادة في الوصية:

قال محمد رحمه الله في (الأصل) إذا مات الرجل فجاء رجل وادعى أن الميت أوصى له بالثلث من كل شيء، فأقام على ذلك شاهدين وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعوا عن شهادتهما ضمنا جميع الثلث للورثة.
وكذلك لو ادعى الوصية في حال حياة الميت وأقام عليها شاهدين فلم يختصموا في ذلك حتى مات الموصي، وقضى القاضي بشهادتهما بعد موت الموصي ثم رجعوا، فإنهم يضمنون الثلث للورثة، فقد أضاف الاستحقاق إلى الوصية التي ثبتت بشهادة الشهود ولم يضف إلى الموت، وإن كان لابد للاستحقاق بالوصية من الأمرين الموت والوصية، والموت آخرهما وجودًا وفي باب النسب أضاف الاستحقاق إلى الموت إذا كان الموت آخرهما وجودًا بأن كانت الشهادة بالنسب حال حياة الأب، وقد اختلف المشايخ في تخريج المسألتين: بعضهم قالوا: إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع، وإليه مال شيخ الإسلام رحمه الله.
موضوع مسألة الوصية أن الشهادة بالوصية كانت حالة الحياة، والخصومة والقضاء بها كان بعد موت الموصي، والشهادة لا تصير موجبة إلا بالقضاء، فإذا وجد القضاء بعد الموت فكأنهما شهدا بالوصية بعد الموت، ولو كان كذلك كان الاستحقاق مضافًا إلى الوصية التي تثبت آخرًا بشهادتهم لا إلى الموت، كذلك هاهنا.
وموضوع مسألة النكاح والنسب أن الشهادة والقضاء كانا في حالة الحياة، فلا يمكننا أن نجعلهما شاهدين بعد الموت لا حقيقة ولا اعتبارًا، فكان الاستحقاق مضافًا إلى الموت الذي هو أحدهما وجودًا لا إلى النسب والنكاح الذي يثبت بشهادتهما.
وأشار شمس الأئمة السرخسي إلى الفرق فقال: استحقاق الوصية عند الموت بالعقد لا بالموت، فإن ملك الموصى له متجدد ثابت بالعقد فلا يمكن إضافته إلى الموت بخلاف الميراث، فإنه خلافه على معنى أنه يبقى للوارث ما كان من الملك ثابتًا للمورِّث، وهذه الخلافة لا تتحقق إلا بالموت، فأمكن إضافته إلى الموت.
وإذا شهدوا أنه أوصى بهذا الخادم لهذا الرجل وقضى القاضي بشهادتهم ووطئها الموصى له، فعلقت منه ثم رجعوا عن شهادتهم، فإنهم يضمنون قيمة الأمة يوم قضاء القاضي بها؛ لأنهم أزالوا الأمة عن ملكه بغير عوض، فيضمنون قيمتها للورثة ولا يضمنون قيمة الولد ولا العقر؛ لأن العقر إنما يجب بدلًا عما استوفى الموصى له من منافع البضع بسبب شهادة الشهود وقد ضمن الشهود ذلك حين ضمنوا القيمة يوم القضاء؛ لأن منافع البضع ألحقت بسائر أجزائها من حيث الحكم، فكما دخل ضمان سائر الأجزاء في ضمان القيمة، فكذا ضمان منافع البضع تدخل في ضمان القيمة، فإن وقع الاختلاف بين الشهود وبين الورثة في قيمة الجارية يوم القضاء، فقال الشهود: كانت قيمتها يوم القضاء ألف درهم، وقالت الورثة: لا بل كانت ألفي درهم فإن كانت الجارية ميتة فالقول قول الشهود؛ لأن الورثة يدعون عليهم زيادة قيمة وهم ينكرون، وإن كانت الجارية قائمة بحكم الحال فإن كانت قيمتها في الحال ألفي درهم فالقول قول الورثة، وإن كانت قيمتها في الحال ألفًا فالقول قول الشهود؛ لأنهما اختلفا في قيمتها فيما مضى وأمكن تحكيم الحال؛ لأن القيمة قائمة للحال فيجب تحكيم الحال كما في مسألة الطاحونة.
وإن كانت قيمتها في الحال ألفي درهم وأقام الشهود بينة أن قيمتها يوم القضاء كانت ألف درهم أخر ببينتهم، وكذلك إذا كانت قيمتها في الحال ألف درهم وأقام الورثة بينة أن قيمتها يوم القضاء كانت ألفي درهم أخر بينتهم؛ لأنه لا عبرة لتحكيم الحال متى جاءت البينة بخلافة، كما في مسألة الطاحونة، وإن أقاموا جميعًا البينة فالبينة بينة الورثة؛ لأن في بينتهم زيادة إثبات في قيمتها فيما مضى.
وإذا شهد الشهود أن الميت أوصى إلى هذا الرجل، وقضى القاضي بشهادتهم ثم رجعوا، فلا ضمان عليهم؛ لأنهما ما أتلفا على الميت ولا على الورثة شيئًا بشهادتهما، إنما نصبا من يحفظ المال عليهم.
قال: رجل مات وترك ابنًا وثلاثة آلاف درهم، فادعى رجل وهو الأكبر أن الميت أوصى له بثلث ماله، وأقام على ذلك بينة، وادعى رجل آخر وهو الأوسط بمثل دعواه، وأقام على ذلك بينة وادعى رجل آخر وهو الأصغر بمثل دعواهما، وأقام على ذلك بينة والوارث يجحد ذلك كله والموصى لهم يجحد كل واحد منهم وصية صاحبه، وزكت البينات وقضى القاضي بالثلث بينهم أثلاثًا؛ لاستوائهم في الدعوى والحجة وازدحام الحقوق في الثلث الذي اقتصرت الوصايا عليهم عند عدم إجازة الورثة، فإذا قضى القاضي به ثم رجعوا جميعًا عن شهادتهم، لم يضمنوا للابن شيئًا؛ لأن كل فريق يحتج على الابن ويقول: لولا شهادتنا لكان الثلث مستحقًا عليك بشهادة الفريقين الآخرين، ورجوع كل فريق يقتصر عليه ولا يظهر في حق غيره، فيجعل في حق كل فريق كأن الفريقين الآخرين لم يرجعا عن الشهادة، ويضمن كل فريق للموصى لهما اللذين لم يشهد لهما هذا الفريق ثلث الثلث؛ لأن في زعم كل فريق أنه لولا شهادتنا لكان الثلث بين الموصى لهما اللذين لم يشهد لهما نصفين، فإنما تلف على كل واحد منهما نصف الثلث وهو سدس الكل بشهادتنا، فيضمنان ذلك، ولو عدلت شهود الأكبر أولًا وقضى القاضي به بكل الثلث؛ ثم عدلت شهود الأوسط وقضى القاضي له بنصف ما أخذ الأكبر، ثم عدلت شهود الأصغر وقضى القاضي له بثلث ما أخذ، ثم رجعوا فالجواب فيه كالجواب في المسألة الأولى.
فإن قيل: ينبغي أن يضمن شهود الأوسط للأكبر في هذه الصورة نصف الثلث؛ لأنهم أتلفوا بشهادتهم نصف الثلث.
قلنا: نعم إلا أن ثلث هذا النصف، وهو سدس الكل مستحق بشهادة شهود الأصغر، فلهذا لا يضمنون له نصف الثلث. ولو كان الأكبر ادعى الوصية لنفسه، وأقام على ذلك بينة وقضى القاضي ببينة الأكبر ودفع الثلث إلى الأكبر، ثم شهد آخران أن الميت رجع عن قضية الأكبر وأوصى بالثلث لهذا الرجل وهو الأوسط، وأخذ القاضي الثلث من الأكبر ودفعه إلى الأوسط بشهادة شاهده، ثم شهد آخران أن الميت رجع عن وصيته لهذا الأوسط وأوصى بالثلث لهذا الرجل وهو الأصغر، فأخذ القاضي الثلث من الأكبر ودفعه إلى الأصغر، ثم رجع الشهود جميعًا عن الشهادة فالثلث سالم للأصغر، ولا ضمان للوارث على أحد من الشهود؛ لأن من حجة كل فريق أن يقول للوارث: لولا شهادتنا لكان الثلث مستحقًا عليك بشهادة الفريقين الآخرين، ويضمن شاهدا الأصغر للأوسط جميع الثلث؛ لأنه لولا شهادتهما لكان جميع الثلث مستحقًا للأوسط؛ لأنه ثبته بشهادة شهوده وصيته، والرجوع عن الوصية للأكبر ويضمن شاهدا الأوسط للأكبر نصف الثلث؛ لأنه لولا شهادتنا لكان الثلث بين الأكبر والأصغر نصفين، لأن شهود الأصغر ما أثبتوا رجوع الميت عن الوصية للأكبر، إنما أثبت ذلك شهود الأوسط فحصل التلف على الأكبر بشهادة شهود الأوسط، إلا أن شهود الأوسط يضمنون نصف الثلث لا جميع الثلث؛ لأن نصف الثلث مستحق بشهادة شهود الأصغر بالوصية للأصغر فلا يضمنان ذلك، فأما النصف الآخر صار مستحقًا على الأكبر بشهادة شهود الأوسط لا غير، فيضمنون ذلك النصف، ولا يضمن شاهدا الأكبر شيئًا؛ لأنهما ما شهدا على الأوسط، والأصغر إنما شهدا على الوارث، وقد ذكرنا أنهما لا يضمنان للوارث ولو لم يرجعا، ولكن وجد أحد شاهدي الأوسط عبدًا فالثلث بين الأكبر والأوسط نصفان.
لأن شهود الأكبر أثبتوا الوصية للأكبر، وشهود الأصغر أثبتوا الوصية للأصغر ولم يثبتوا الرجوع عن الوصية للأكبرو والأوسط خرج من البين، فيكون الثلث بين الأكبر والأصغر نصفان، قال: ولو ترك الميت ثلاثة أعبد قيمتهم على السواء، لا مال له غيرهم، شهد شاهدان أن الميت أوصى بهذا العبد الأكبر وقضى القاضي به؛ وشهد آخران أن الميت رجع عن الوصية الأولى وأوصى بهذا العبد الأوسط لفلان الأوسط، فقضى القاضي بشهادتهم وردت الوصية الأولى؛ وشهد آخران أن الميت رجع عن الوصية الثانية ثم رجعوا جميعًا عن الشهادة، لا ضمان على أحد منهم للوارث.
أما على الفريق الأول: فلأن ما أتلفوا على الوارث بشهادتهم عاد إلى ملك الوارث بشهادة الفريق الثالث، فارتفع ذلك الإتلاف أيضًا، ولأن الفريق الثاني وإن أتلفوا على الوارث بشهادتهم العبد الأوسط، إلا أنهم عوضوا عنه للوارث العبد الأكبر، والإتلاف بعوض لا يوجب الضمان على الشاهد عند الرجوع، وأما الفريق الثالث: فلأنهم وإن أتلفوا على الوارث العبد الأصغر بشهادتهم إلا أنهم أتلفوا بعوض، وهو العبد الأوسط ولا ضمان على شهود الأكبر لواحد من الموصى لهم، ويضمن شاهدا الأوسط للأكبر نصف قيمة العبد الأكبر، وشاهدا الأصغر يضمنان للأوسط جميع قيمة الأوسط، ولو شهدا للأكبر أن الميت أوصى له بثلث ماله، فلم تظهر عدالتهما حتى شهد آخران أن الميت أوصى بثلث ماله لهذا الأوسط ورجع عن وصيته للأكبر، فلم يظهر عدالتهما أيضًا حتى شهد آخران أن الميت أوصى بثلث ماله لهذا الأصغر ورجع عن وصيته للأوسط، فعدل الشهود جميعًا، أو كانت الوصايا بالعبيد الثلاثة على ما بينا، قضى القاضي للأصغر بالثلث إن كانت الوصية بالثلث، وبالعبد الذي شهد له شهوده إن كانت الوصية بالعبد، ولا يقضي بالوصية للأكبر ولا للأوسط؛ لأنه قارن القضاء بها وهو قيام البينة العادلة على الرجوع عن الوصية لهما، ولم يقارن القضاء بالوصية للأصغر مثل هذا المانع، فقضى بالوصية للأصغر ولم يقض بالوصية للأكبر والأوسط لهذا، فإذا قضى القاضي بذلك ثم رجع الشهود جميعًا عن الشهادة ضمن شهود الأصغر للوارث الثلث إن كانت الوصية له بالثلث، وقيمة العبد إن كانت الوصية له بالعبد.
فرق بين هذا وبينما إذا كانت الشهادات على التفاريق والتعديل والقضاء بها على التفاريق، ثم رجعوا حيث لا يضمن شهود الأصغر للوارث شيئًا على ما مر قبل هذا، والفرق: أن ثمة شهود الأصغر ما أتلفوا على الوارث شيئًا، فإن بشهادتهم لم يستحق الأصغر شيئًا على الوارث، إنما استحق على الأوسط؛ لأن القاضي قضى للأوسط بالثلث قبل القضاء للأصغر، وشهادتهم بالرجوع عن الوصية للأوسط لا يوجب عود الثلث إلى الوارث إذا اقترن بذلك شهادتهم بالوصية للأصغر، ولهذا قلنا إن الوارثين إذا شهدا أن الميت رجع عن وصيته لفلان، وأوصى لهذا الثاني تقبل شهادتهما، ولو كانت الشهادة بالرجوع عن الوصية الأولى عند اقتران الشهادة بالوصية الثانية بها يوجب عود الموصى به إلى الورثة، لكانت هذه الشهادة لأنفسهما، فينبغي أن لا تقبل هذه الشهادة، فعلم أن شهادة شهود الأصغر بالرجوع عن الوصية للأصغر لا توجب عود الثلث إلى الوارث إذا اقترنت به شهادتهم بالوصية للأصغر، بل ينتقل الثلث بشهادتهم من الأوسط إلى الأصغر، ولما كان هذا لم يكن التلف حاصلًا على الوارث بشهادة شهود الأصغر، فلهذا لا يضمنون للوارث، أما هاهنا القاضي لما لم يقض الثلث للأكبر وللأوسط، بقي الثلث على ملك الوارث من حيث الظاهر، فصار شهود الأصغر بشهادتهم متلفين على الوارث ذلك فيضمنان ذلك للوارث، فإن أراد الأوسط تضمين شهود الأصغر لعلمه أنهم شهدوا برجوع الميت عن وصيته، ورجعوا عن شهادتهم، فإن القاضي يقول للأوسط: أقم بينة على وصيتك وخصمك على شهود الأصغر، لأن القاضي لم يقدر على القضاء بالوصية للأوسط وقت ظهور عدالة شهوده؛ لأنه قارن القضاء بالوصية له ما يمنع القضاء بها على ما مر، ولم يقدر على القضاء بتلك البينة الآن؛ لأن بينته رجعوا أيضًا، فلابد من أقامة بينة أخرى، فإذا أقام بينة أخرى حينئذٍ أمكن للقاضي القضاء بالوصية له؛ لارتفاع المانع من القضاء لما رجع شهود الأصغر عن شهادتهم، فيقضي القاضي بالوصية للأوسط ويظهر حينئذٍ أن شهود الأصغر أتلفوا على الأوسط بشهادتهم لا على الوارث، فيضمن شهود الأصغر للأوسط جميع الثلث إن كانت الوصية بالثلث، وقيمة العبد الموصى له إن كان الوصية بالثلث، ثم يرجع شهود الأصغر على الوارث بما أخذ الوارث منهم؛ لأنه تبين أن ما أخذ الوارث منهم أخذ بغير حق.
وهو نظير رجل في يده عبد قيمته ألف درهم، فهلك في يده فأقرا أنه كان غصبه من فلان وضمنه القاضي قيمته للمقر له، قامت البينة أن العبد كان للآخر، وقضى القاضي بالقيمة لصاحب البينة، فالمقر يرجع على المقر له بما ضمن له كذا هاهنا، قال: وكذلك الموصى له الأكبر لو أراد تضمين شاهدي الأوسط لم يكن له ذلك إلا أن يقيم البينة عليهما بحقه، فإذا أقامها قضى القاضي له بنصف الثلث على شهود الأوسط؛ لأنه تبين أنهما أتلفا على الأكبر نصف الثلث على ما مر في المسألة المتقدمة، ولا يضمن واحد منهم شيئًا للوارث لما مر قبل هذا.
رجل أوصى بثلث ماله لرجل ثم مات الموصي ودفع القاضي الثلث إلى الموصى له، ثم شهد شاهدان أن الميت قد كان رجع عن هذه الوصية، وقضى القاضي بالرجوع وأخذ الوارث الثلث من الموصى له، ثم شهد هذان الشاهدان أن الميت أوصى بالثلث لهذا الرجل الآخر وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا عن الشهادتين جميعًا، ضمنا الثلث مرتين، مرة للوارث ومرة للموصى له الأول؛ لأنهما أتلفا الثلث على الموصى له الأول بالشهادة على الرجوع عن وصية، وأتلفاه على الوارث بشهادتهما للموصى له الثاني.
فرق بين هذا وبينما إذا شهدا بالرجوع عن الوصية الأولى وبالوصية الثانية جملة، وقضى القاضي بالرجوع وبالوصية الثانية، ثم رجعا عن الشهادتين جميعًا، فإنهما يضمنان ثلثًا واحدًا للموصى له الأول، ولا يضمنان للوارث شيئًا، والفرق وهو أنهما إذا شهدا بالرجوع والوصية الثانية جملة، فالثلث لا يعود إلى ملك الوارث بل ينتقل من الموصى له الأول إلى الثاني، فيكون التلف حاصلًا على الموصى له الأول لا على الوارث، أما هاهنا الثلث قد عاد إلى ملك الوارث لما شهدا بالرجوع مفردًا، وقضى القاضي بشهادتهم، فإذا شهدا بالوصية الثانية بعد ذلك بزور، فقد أتلفا الثلث على الوارث، وقد أتلفاه على الموصى له الأول بالشهادة على الرجوع، فصارا متلفين الثلث مرتين فضمناه مرتين لهذا.
فإن قيل: لم لا يصير ما أدخلاه الشاهدان في ملك الوارث بالشهادة على الرجوع عن الوصية الأولى عوضًا عما أخرجاه عن ملكه بالشهادة الثانية.
قلنا: لأن الإخراج مع الإدخال حصلا بشهادتين مختلفتين، فالإدخال حصل بالشهادة بالوصية الثانية، والتعويض إنما يكون عند اتحاد سبب الإدخال والإخراج.
كما لو شهدا على رجل ببيع عبد قيمته ألف بألف، أما عند تفرق السبب فلا، ألا ترى أنهما إذا شهدا لزيد على عمرو بألف درهم ثم شهدا بعد ذلك لعمرو على زيد بألف درهم، ثم رجعا عن الشهادتين ضمنا لهما.
وإن أدخلا في ملك واحد منهما مثل ما أخرجا عن ملكه ما كان الطريق إلا ما قلنا أن السبب قد تفرق، وعند تفرق السبب التعويض يمتنع.
ولو شهدا بالرجوع عن الوصية الأولى فلم يقض القاضي بشهادتهما حتى شهدا بالوصية الثانية، فقضى القاضي بذلك جملة ثم رجعا عن الشهادتين لم يضمنا للوارث شيئًا، كما لو حصلت الشهادتان بالأمرين جملة؛ لأن القضاء بالأمرين إذا وقع جملة، فالثلث لا يعود إلى ملك الوارث لقيام ما يمنع العود إلى ملك الوارث وهو القضاء بالوصية للثاني.
قال: ولو شهدا بالرجوع عن الوصية الأولى وبالوصية الثانية معًا، وقضى القاضي بالأمرين ثم رجعا عن الشهادة بالوصية الثانية خاصة، سألهما القاضي أترجعان عن الشهادة على الرجوع عن الوصية الأولى؟ وهذا سؤال حسبة وليس بواجب، وهذا لأنهما لما رجعا عن بعض الشهادة ثبت احتمال الرجوع عن الباقي، فصار الموضع موضع الاحتياط، وفي هذا السؤال فائدة؛ لأنهما لو لم يرجعا عن الشهادة على الرجوع عن الوصية الأولى يجب القضاء بالثلث للوارث عند رجوعهما عن الشهادة بالوصية الثانية، وإذا قضى القاضي بذلك تبقى الشهادة على الرجوع مفردة، فإن رجعوا بعد ذلك عنها ضمنوا الثلث مرة أخرى للموصى له الأول لما تبين، فتكرر الضمان على الشهود.
ولو رجعا عن الشهادة على الرجوع قبل قضاء القاضي بالثلث للوارث ضمنوا الثلث للموصى له، ولا يضمنان للوارث لما تبقى، فقد أفاد السؤال بيان المستحق وتخفيف الأمر على الشهود، وتحقيق النظر، فلهذا سألهما القاضي.
فإن قالا: نحن ثابتان على شهادتنا بالرجوع يضمنان الثلث للوارث؛ لإقرارهما أن الشهادة بالوصية الثانية كانت باطلة، وأن الثلث كان للوارث، وأنهما أتلفاه على الوارث بشهادتهما بغير عوض.
وإن قالا: نحن راجعان عن تلك الشهادة أيضًا، فإن كان ذلك بعد قضاء القاضي عليهما بالثلث للوارث ضمنا للموصى له ثلثًا آخر؛ لأنهما لما رجعا عن شهادتهما على الرجوع بعدما قضى القاضي عليهما بالثلث للوارث، فقد أقرا بشيئين يضمنان الثلث على أنفسهما للموصى له الأول؛ لإتلافهما ذلك عليه، وبثبوت ولاية استرداد ما دفعا إلى الوارث لأنفسهما؛ لأنهما يقولان: إتلاف الثلث حصل على الموصى له الأول لا على الوارث، فيصدقان فيما يقران على أنفسهما ولا يصدقان فيما يقران على الوارث، ولو كان ذلك قبل قضاء القاضي بالثلث للوارث ضمنا ثلثًا واحدًا للموصى له الأول، ولا يضمنان للوارث شيئًا، وكان ينبغي أن يضمنا للوارث ثلثًا أيضًا، لأن الرجوع عن الشهادة بالوصية الثانية قبل الرجوع عن الشهادة بالرجوع عن الوصية الأولى إقرار بإتلاف الثلث على الوارث، ويضمنان الثلث للوارث والرجوع عن الشهادة على الرجوع بعد ذلك إقرار للموصى له الأول بالثلث رجوع عما أقر للوارث، والإقرار صحيح، أما الرجوع عن الإقرار غير صحيح.
والجواب أن يقول: الإقرار بالثلث للوارث غير مفصح به، وإنما يثبت ذلك في ضمن الرجوع عن الشهادة على الوصية الثانية، والرجوع عن الشهادة غير معتبر قبل اتصال القضاء به، فما ثبت في ضمنه من الإقرار أيضًا لا يكون معتبرًا قبل اتصال، فإذا رجعا عن ذلك قبل اتصال القضاء به يعمل رجوعهما، فلو أن القاضي حين سألهما لم يثبتا بل سكتا، فالقاضي لا يجبرهما، لأن السؤال إنما كان نظرًا للشهود وتخفيفًا عليهم، وهذا لا يقتضي الجبر، فإذا سكتوا ولم يثبتوا قضى القاضي بالضمان للوارث؛ لأنهم شهدوا بالرجوع عن الوصية الأولى، ولم يوجد الرجوع عن تلك الشهادة، والظاهر هو الثبات عليهما، فيكون الجواب فيه الجواب كالجواب فيما إذا صرحوا أنهم ثابتون على الشهادة بالرجوع عن الوصية الأولى، ولو أنهما رجعا على الشهادة على الرجوع ولم يرجعا عن الشهادة بالوصية الثانية، فإن القاضي يضمنهما نصف الثلث للموصى له الأول؛ لأنهما صارا مقرين أن شهادتهما على الرجوع كانت باطلة وأن الميت أوصى للأول كما أوصى للثاني، وأن الثلث بينهما نصفان لولا شهادتنا بالرجوع عن الوصية الأولى، فصارا مقرين له بإتلاف نصف الثلث على الموصى له الأول بغير عوض، فإن رجعا بعد ذلك عن الشهادة على الوصية ضمنا نصف الثلث أيضًا للموصى له الأول؛ لأنهما صارا مقرين أن الشهادة على الوصية الثانية كانت باطلة، وأن الثلث كله كان للموصى له الأول لولا شهادتنا بالرجوع عن الوصية الأولى، فصارا مقرين له بإتلاف كل الثلث عليه إلا أنهما قد ضمنا نصف الثلث مرة، فيضمنان النصف الباقي، ولم يذكر هاهنا أنهما متى رجعا عن الشهادة على الرجوع أن القاضي يسألهما أترجعان عن الوصية الثانية، بخلاف الفصل الأول.
والفرق بينهما: أن في الفصل الأول القاضي إنما يسألهما لمعان، من جملة ذلك تعيين المستحق؛ لأنهما إن رجعا عن الشهادة على الرجوع بعد الرجوع عن الشهادة على الوصية الثانية قبل قضاء القاضي بالثلث للوارث، كان الثلث للموصى له الأول، وإن ثبتا على الشهادة على الرجوع كان الثلث للوارث، يسألهما القاضي لتعيين المستحق، أما هاهنا بعدما رجعا عن شهادتهما على الرجوع المستحق معلوم، وهو الموصى له الأول على كل حال، وإنما الاشتباه في مقدار ما يجب له من ثلث أو نصف ثلث، فيقضي القاضي بالقدر المتيقن، ولا يسألهما عن الرجوع عن الشهادة الثانية لهذا.
رجل مات وترك عبدين قيمة كل واحد منهما ألف درهم، وثلث ماله ألف درهم بأن ترك ألفًا أخرى، فشهد شاهدان أن الميت أوصى بهذا العبد لهذا الرجل الأكبر، ثم شهد آخران أن الميت أوصى بهذا العبد الآخر لهذا الأصغر، قضى القاضي لكل واحد من الموصى لهما بنصف عبده؛ لأن الوصيتين قد اجتمعتا والثلث قاصر عنهما، وليست إحدى الوصيتين بأولى من الأخرى، فيجب قسمة الثلث بينهما نصفين، وذلك بأن يعطي كل واحد من الموصى لهما نصف وصيته، فإن رجع الشهود جميعًا عن شهادتهم لا يضمنون للوارث شيئًا؛ لأن من حجة كل فريق أن يقول للوارث: نصف العبد الذي شهدنا به بقي على ملكك والنصف الآخر أخرجناه عن ملكك، فقد أخرجنا بعوض؛ لأنه لولا شهادتنا لكان العبد الآخر للموصى له الآخر وكل فريق لا يقدر على إخراج النصف الذي أخرجه عن ملك الوارث إلا بإدخال نصف العبد الآخر في ملك الوارث حتى لا تزيد الوصية على الثلث، فصار النصف المردود على الوارث بشهادة كل فريق عوضًا عن النصف الفائت بشهادتهم.
وقد ذكرنا أن الإتلاف بعوض لا يوجب الضمان ويضمن كل فريق من الشهود للموصى له الآخر نصف عبده؛ لأنه أتلف النصف على الآخر بشهادتهم، فإنه لولا شهادتهم لسلم العبد كله للموصى له الآخر، ولو كان ثلث ماله ألفان بأن كان له سوى العبد أربعة آلاف درهم حتى خرج العبدان من الثلث سلم لكل واحد من الموصى لهما عبده، فإن رجع الشهود جميعًا ضمن كل فريق للوارث قيمة العبد الذي شهد به؛ لأن كل فريق أزال العبد الذي شهد به عن ملك الورثة ولم يدخل في ملك الورثة بشهادته شيء، فكان هذا إتلافًا بغير عوض، ولا يضمن الشهود للموصى لهما شيئًا إذا سلم لهما العبدان، ولو كان ثلث ماله ألف وخمسمئة بأن كان له مال سوى العبدين ألفان وخمسمئة كان لكل واحد منهما ثلاثة أرباع عبده، فإن رجعوا جميعًا عن الشهادة ضمن كل فريق سبعمئة وخمسين درهمًا، مائتان وخمسون من ذلك للموصى له الآخر، وخمسمئة منها للورثة؛ لأن كل فريق بشهادته أتلف على الوارث من العبد الذي شهدوا بوصية ثلاثة أرباعه، وذلك سبعمئة وخمسون، إلا أن مائتين وخمسين من ذلك عاد إلى الورثة عوضه؛ لأنه لولا شهادة هؤلاء كان العبد الآخر كله مستحقًا للموصى له الآخر، فإنما عاد ربعه إلى الورثة بشهادتهم، فصار عوضًا، فبقي مقدار خمسمئة متلفًا بغير عوض، فيضمنه كل فريق، وأما مائتان وخمسون للموصى له الآخر، لأنه لولا شهادة كل فريق لقضي للآخر بكمال كل العبد الذي أوصى له به، فإنما يقضي منه مقدار ربعه، وذلك قدر المائتين وخمسين درهمًا بشهادة هؤلاء، فيضمون له ذلك القدر ولو كان قيمة أحد العبدين ألفان وقيمة العبد الآخر ألف، وثلث ماله ألفان بأن كان له سوى العبدين ثلاثة آلاف درهم قضى لكل واحد من الموصى لهما بثلثي عبده؛ لأن الوصيتين حصلتا بأكثر من الثلث، فيرد إلى الثلث عند عدم إجازة الورثة، وذلك ألفان، فيقسم الألفان بينهما على قدر حقوقهما، وحق أحدهما في ألفي درهم، وحق الآخر في ألف درهم فيقسم الألفان بينهما، ثلثاه لصاحب الألفين وذلك ألف وثلاثمئة وثلاثة وثلاثون وثلث، وثلثه لصاحب الألف، وذلك ستمئة وستة وستون وثلثان، فلو رجع الشهود عن شهادتهم ضمن الذي شهد بالعبد الأرفع ألفًا وثلاثمئة وثلاثة وثلاثين، وثلث ألف من ذلك للورثة، وثلاثمئة وثلاثة وثلاثون وثلث للموصى له الآخر، أما الألف للورثة؛ لأنهم وإن أخرجوا عن ملكهم ألفًا وثلاثمئة وثلاثة وثلاثون، وثلث فقد أدخلوا في ملكهم ثلاثمئة وثلاثة وثلاثون وثلث؛ لأنه لولا شهادة هذا الفريق لكان يقضي بكل العبد الآخر للموصى له الآخر، فإنما عاد إلى الورثة ثلاثمئة وثلاثة وثلاثون وثلث من العبد الآخر بشهادة هؤلاء، فلا يضمنون ذلك القدر، فكان المضمون عليهم قدر ألف درهم، وأما ثلاثمئة وثلاثة وثلاثون وثلث للموصى له الآخر، فإنه لولا شهادة هذا الفريق لكان العبد الآخر مستحقًا للموصى له الآخر، فإنما يقضي عليه ثلاثمئة وثلاثة وثلاثون وثلث بشهادة هؤلاء، فيضمون ذلك القدر، قال وضمن الذي شهد بالعبد الأدون للموصى له الآخر ستمئة وستة وستون وثلثان، ولا يضمن للوارث شيئًا، أما لا يضمن للوارث؛ لأنه إنما استحق على الوارث بشهادة هذا الفريق ثلثا العبد الأدون، وقيمته ستمئة وستة وستون وثلثان وقد أدخلوا عوض ذلك في ملك الوارث عن العبد الأرفع وهو ثلث الأرفع، وأما يضمن للموصى له الآخر ستمئة وستة وستون وثلثان؛ لأنه لولا شهادة هذا الفريق لكان كل كل العبد الآخر، مستحقًا للموصى له الآخر فإنما يقضي عنه ستمئة وستة وستون وثلثان بشهادة هؤلاء، فيضمنون له ذلك القدر.
رجل مات وترك عبدين، قيمة كل واحد منهما ألف درهم وثلث ماله ألف درهم، شهد شاهدان أن الميت أوصى بهذا العبد لهذا الرجل وقضى القاضي به، ثم شهد آخران أن الميت رجع عن تلك الوصية وأوصى بهذا العبد الآخر لهذا الرجل الآخر وقضى القاضي به ثم رجع الفريقان جميعًا عن شهادتهما، فلا ضمان على الفريق الأول لا للورثة ولا للموصى له الآخر، أما للوارث فلأنهما، وإن أخرجا العبد الأول عن ملك الوارث، إلا أن القاضي لما قضى بالرجوع عن الوصية الأولى وأعاد العبد إلى الوارث فقد ارتفع ذلك الإخراج، وأما للموصى له الآخر؛ فلأن الفريق الأول ما شهدوا على الموصى له الآخر بشيء، والفريق الثاني يضمنون للموصى له الأول قيمة عبده؛ لإتلافهم العبد الأول عليهم بشهادتهم، ولا يضمنون للوارث شيئًا؛ لأنهم إن أخرجوا العبد الثاني عن ملك الوارث فقد أدخلوا العبد الأول في ملكه، بشهادتهم ولو كان العبدان يخرجان من الثلث، فلا ضمان على الفريق الأول لا للوارث ولا للموصى له الأول كما ذكرنا في الفصل الأول، وأما الفريق الثاني فيضمنون للموصى له الأول قيمة عبده لما ذكرنا في الفصل الأول ويضمنون أيضًا للورثة قيمة العبد الثاني، ولا يصير العبد الأول عوضًا عن العبد الثاني بخلاف ما سبق.
والفرق: أن العبدين إذا كانا يخرجان من الثلث، فالفريق الثاني وإن أدخلوا العبد الأول في ملك الوارث بمقابلة إخراج العبد الثاني عن ملكه، إلا أنهم كانوا يقدرون على إخراج العبد الثاني عن ملك الوارث من غير إدخال العبد الأول في ملكه إذا كان العبدان يخرجان عن الثلث، ألا ترى أنهما لو شهدا بالوصية الثانية ولم يشهدا بالرجوع عن الوصية الأولى، فإنه ينفذ الوصية الثانية في جميع العبد الثاني، وإن لم يدخل شيء من العبد الأول في ملك الوارث، وإذا قدرا على إخراج العبد الثاني من ملك الوارث من غير إدخال الأول في ملكه لم يكن إدخال الأول منوطًا بإخراج الثاني، فلا يصلح عوضًا عن الثاني.
أما إذا كان العبدان لا يخرجان من الثلث والفريق الثاني لا يقدرون على إخراج العبد الثاني عن ملك الوارث إلا بإدخال العبد الأول في ملكه إذ الوصيتان لا تخرجان من الثلث، فصار الإدخال الأول منوطًا بإخراج الثاني، فصلح عوضًا عن الثاني.
ولو كان ثلث المال ألفًا وخمسمئة والمسألة بحالها فالفريق الثاني يضمنون للموصى له الأول قيمة العبد الأول لما مر، ويضمنون أيضًا للوارث نصف قيمة العبد الثاني، لأنهما أخرجا العبد الثاني عن ملك الوارث، أكثر ما فيه أنهما أدخلا العبد الأول في ملكه إلا أن النصف من العبد الأول لا يصلح عوضًا عن نصف العبد الثاني؛ لأنهم يقدرون على إخراج نصف العبد الثاني؛ عن ملك الوارث من غير إدخال شيء من العبد الأول في ملكه بخروج هذا القدر من الثلث، وإذا كان هكذا لم يكن إخراج أحد النصفين من العبد الثاني متعلقًا بإدخال نصف العبد الأول في ملكه، فلم يصر نصف العبد الأول عوضًا عن نصف العبد الثاني، فبقي إتلاف هذا النصف بغير عوض، فأما النصف الآخر من العبد الثاني فالفريق الثاني لا يتمكنون من إخراجه عن ملك الوارث إلا بإدخال النصف من العبد الأول في ملكه؛ لكونه زيادة على الثلث فكان إخراج هذا النصف متعلقًا بإدخال النصف من العبد الأول في ملكه، فصلح عوضًا، فكان تلف هذا النصف بعوض، ولهذا قال ضمن الفريق الثاني للوارث قيمة نصف العبد الثاني.
ولو كان ثلث المال ألفي درهم وقيمة العبد الأول ألف درهم، وقيمة العبد الثاني ألفي درهم والمسألة بحالها، فإن الفريق الثاني يعرضون للموصى له الأول قيمة العبد الأول ألفا لما مرّ، ويضمنون أيضا للورثة نصف قيمة العبد الثاني؛ لأن العبد الأول صار عوضًا عن النصف من العبد الثاني من قبل أن الفريق الثاني يتمكنون من إخراج النصف من العبد الثاني عن ملك الوارث من غير إدخال الأول في ملكه، ولا يتمكنون من إخراج النصف الآخر عن ملك الوارث إلا بإدخال الأول في ملكه، فصار الأول عوضًا عن أحد نصفي العبد الثاني لا غير.
وفي رواية ابن سماعة عن محمد رحمه الله: رجل مات، فشهد شاهدان أنه أوصى بعبده هذا لفلان وقضى القاضي له، ثم يشهد آخران أنه رجع عن وصيته لفلان الذي أوصى له بالعبد الأسود وعن كل وصية أوصى بها، وأنه أوصى، بهذا العبد الأبيض لفلان، وقضى القاضي له وأبطل الوصية من الأسود، ورده إلى الوارث، والوارث جاحد لذلك، ثم رجع الشاهدان اللذان شهدا بالعبد الأسود، فلا ضمان عليهما، وهذا ظاهر لأنهما بشهادتهما وإن أتلفا الأسود على الوارث إلا أن القاضي لما أبطل الوصية في الأسود بعد ذلك ورده إلى الوارث فقد ارتفع ذلك الإتلاف.
قال: وإن رجع شاهدا الأبيض ضمنا للوارث قيمة الأبيض وضمنا بالمشهود له بالأسود قيمة الأسود، أما ضمان قيمة العبد الأسود للمشهود له بالأسود فهو ظاهر، وأما ضمان قيمة العبد الأبيض للوارث فهو مشكل وهو خلاف ما ذكرنا قبل هذا، لأن شهود الأبيض وإن أخرجوا الأبيض عن ملك الوارث فقد أدخلوا الأسود في ملكه..

.الفصل الخامس عشر: في رجوع أهل الذمة عن الشهادات:

ذميان شهدا لذمي على ذمي بخمر أو خنزير بعينه أو مال، وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا، فعليهما قيمة الخنزير وخمر مثله؛ لأن الخمر والخنزير فيما بينهم بمنزلة الشاة والخل بين المسلمين، والجواب في الخل والشاة بين المسلمين أن الشاهد عند الرجوع يضمن مثل الخل وقيمة الشاة فكذا هاهنا، وإن أسلم الشاهدان ثم رجعا عن شهادتهما ضمنا قيمة الخنزير عندهم جميعًا، ولا يضمنان الخمر عند أبي يوسف، وعند محمد رحمه الله يضمنان قيمته؛ لأن الشهادة إتلاف حكمي فيعتبر بالإتلاف الحقيقي، والذمي إذا أتلف على ذمي خمرًا أو خنزيرًا ثم أسلم المتلف وهو المطلوب، ضمن قيمة الخنزير عندهم، وفي الخمر خلافه عرف ذلك في كتاب الغصب، ولو لم يسلم الشهود ولكن أسلم المشهود عليه، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما، فإنهما يضمنان قيمة الخنزير، ولا ضمان عليهما في الخمر عندهم؛ لأن المشهود عليه طالب؛ لأن الحق له قبل الشهود عند الرجوع، والمتلف عليه وهو الطالب إذا أسلم ولم يسلم المطلوب، ففي الخنزير القيمة، وفي الخمر لا ضمان أصلًا، عرف ذلك في كتاب الغصب فهاهنا كذلك.

.الفصل السادس عشر: في المتفرقات:

إذا ادعت المرأة على زوجها أنه صالحها من نفقتها على عشرة دراهم كل شهر، وقال الزوج صالحتها على خمسة دراهم كل شهر، فشهد شاهدان أنه صالحها على عشرة دراهم كل شهر، وقضى القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما، قال: ننظر إلى نفقة مثلها فإن كان عشرة أو أكثر، فلا ضمان عليهما للزوج؛ لأنهما متى اتفقا على الصلح واختلفا في بدله كان القول لمن يشهد له نفقة المثل، كما في النكاح عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهاهنا نفقة مثلها يشهد لها، فيكون القول قولها، وصار عشرة دراهم مستحقة للمرأة على الزوج بقولهما، فهما بشهادتهما ما أوجبا على الزوج مالًا، فلهذا لا ضمان عليهما، وإن كان نفقة مثلها خمسة دراهم مثلًا، فإنهما يضمنان للزوج خمسة لما مضى؛ لأن المستحق على الزوج في هذه الصورة خمسة دراهم لولا شهادتهما، فهما بشهادتهما أوجبا على الزوج الزيادة على الخمسة، بحيث لا يمكنه دفعها عن نفسه؛ لأنه لا يمكنه رد الصلح فيما مضى، ولكن لا يضمنان في المستقبل؛ لأن رد هذا الصلح في المستقبل يمكن للزوج بأن يردها إلى نفقة مثلها، فإذا فرض القاضي على الزوج كل شهر لامرأته نفقة مثلها، فمضى لذلك سنة، ثم شهد شاهدان أنه قد أوفاها النفقة، وأجاز ذلك القاضي ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يضمنان ذلك للمرأة لأن نفقة المنكوحة يصير دينًا في الماضي بقضاء أو رضى وقد وجد القضاء هاهنا، فصار نفقة ما مضى دينًا في ذمة الزوج، والتحقت بسائر ديونها، ولو شهدا باستيفاء دين آخر لها سوى النفقة، وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا ضمنا كذا هاهنا.
وقال: وكذلك الوالد وكل ذي رحم محرم ممن فرض القاضي له نفقة، هكذا ذكر في رجوع (الأصل)، وهذا الجواب مستقيم على رواية (الجامع)، نفقة المحارم تصير دينًا بقضاء القاضي، فأما لا يستقيم على رواية (الجامع)، فإن على رواية النكاح نفقة المحارم لا تصير دينًا بقضاء القاضي فإذا لم تصر دينًا فيما مضى لم يصيرا شاهدين عليهما باستيفاء دين مستحق لهما على الزوج، فلا يضمنان عند الرجوع.
وإذا طلق امرأته قبل الدخول بها ولم يفرض لها مهرًا، فشهد شاهدان أن صالحها من المتعة على عبد ودفعه إليها وقبضته وهو ينكر ذلك، فقضى القاضي عليها بذلك، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما، فإنهما لا يضمنان للمرأة المتعة ولا يضمنان لها قيمة العبد، بخلاف ما لو شهدا أنه صالحها من المتعة عن عبد ولم يشهدا على قبض العبد، وقضى القاضي لها بالعبد، ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يضمنان لها قيمة العبد.
والفرق: أن في المسألة الأولى القاضي لم يقض لها بالعبد؛ لأن القضاء لها بالعبد مع قبض العبد لا يفيد، وإذا لم يقض لها بالعبد ظهر أنهما بشهادتهما أتلفا على المرأة المتعة لا العبد، فلا يضمنان عند الرجوع.
أما في الفصل الثاني القاضي قضى لها بالعبد؛ لأن القضاء بالعبد لها ممكن؛ لأن حال ما يقضي لها بالعبد على الزوج لم تقم الشهادة على قبض العبد، فقضى لها بالعبد وصار حقها في العبد، فإذا رجعا فقد أتلفا عليها العبد، فضمنا لها قيمة العبد.
وفي (المنتقى): شاهدان شهدا على رجل أنه أقر لهذا المدعي أمس بألف درهم وقضى القاضي عليه وقبضها منه، ثم رجعا عن شهادتهما، فلما أراد القاضي أن يضمنهما الألف، قالا: نجيئك ببينة أن هذا الذي قضيت عليه قد أقر لفلان المقضي له بهذه الألف منذ سنة، قال: لا أقبل ذلك منهما وأضمنهما الألف؛ لأن الذي يدعي الحق غيرهما.
ولو شهد شاهد على رجل أنه قد أعتق عبده منذ سنة وقد قضى، بعتق العبد ثم رجعا عن شهادتهما، فأراد القاضي أن يضمنهما قيمة العبد، فقال: نحن نجيء بشاهدين آخرين يشهدان أنه أقر بعتق عبده منذ عشر سنين، قال: قبل ذلك منهما استحسانًا.
وفي (نوادر عيسى بن أبان): رجل ادعى جارية في يد رجل وابنة لها ادعى أنهما جاريتاه، وأنكر الذي في يده أن تكون الجارية للمدعي، وأن تكون الصبية ابنة للجارية، فجاء المدعي بشاهدين شهدا أن الجارية للمدعي وجاء بشاهدين آخرين شهدا أن الصبية بنت الجارية، فإن القاضي يقضي بالجارية وابنتها للمدعي، فإن قضى بذلك ثم رجع اللذان شهدا أن الجارية للمدعي، فإن القاضي يضمنهم قيمة الأمة وقيمة ولدها؛ لأن القاضي إنما قضى بالولد بشهادتهم أن الجارية جاريته؛ لأنه استحقاق من الأصل، فكل ما كان معها من مال أو ولد فهو تبع لها، فكأنهم شهدوا بالولد كما شهدوا بالجارية.
قال: أرأيت رجلًا في يديه عبد تاجر كثير المال مات العبد وترك مالًا كثيرًا، فجاء رجل وادعى أن العبد عبده، ليأخذ ما تركه العبد، وأنكر الذي في يده العبد أن يكون العبد للمدعي، وأن يكون المال للعبد، فجاء المدعي بشاهدين شهدا أن العبد للمدعي أودعه الذي كان العبد في يديه، وجاء بشهود كثير شهدوا أن المال للعبد، وقضى القاضي للمدعي بالعبد والمال، ثم رجع الذين شهدوا أن العبد للمدعي، فإنهم يضمنون المال للذين كان العبد والمال في يده، وطريقة ما قلنا.
قال: ولو رجع الذين شهدوا بالجارية على ما وصفت لك وضمنهم القاضي قيمة الجارية وقيمة الولد ثم رجع الذين شهدوا أن الصبية ابنة الأمة، فالذين شهدوا بالأمة يرجعون على الذين شهدوا بالولد بقيمة الولد.
قال: وهو بمنزلة رجل ادعى على رجل أنه قطع يده أنه خطأ، ومات منها وجاء ببينة شهدوا على المدعى عليه أنه قطع يد ولي المدعي خطأ، ولم يشهدوا أنه مات منها، وجاء بشاهدين آخرين شهدا أنه مات من اليد، ولم يشهدا على القاطع بالقطع، فإن القاضي يقضي بدية المقتول على عاقلة القاتل، وإذا قضى بذلك ثم رجع الشهود على قاطع اليد خاصة، فإنهما يضمنان جميع الدية؛ لأنهما شهدا على الجناية نفسها، فإن قضى القاضي عليها بذلك ثم رجع اللذان شهدا أنه مات منها، فإن شهود قطع اليد يرجعون عليهم؛ لأنهم يقولون شهدنا على اليد وما شهدنا على النفس، وإنما صارت اليد نفسًا علينا بشهادتكم، قلنا: أن يرجع بالدية عليكم.
وكذلك لو أن رجلًا ادعى على رجل أنه قطع أصبعًا منه من المفصل خطأً، وأن كفّه شلت منها وأنكر المدعى عليه ذلك، فجاء المدعي بشاهدين شهدا أنه قطع إصبعه من المفصل خطأ، ولم يشهدا على الشلل وجاء بشاهدين آخرين شهدا أن كفه شلت منها، فإن القاضي يقضي على عاقلة القاطع بدية الكف، فإن قضى بذلك ثم رجع الشاهدان اللذان شهدا على قطع الأصبع، فإنهما يضمنان جميع أرش الكف، فإن ضمنا ذلك ثم رجع اللذان شهدا على شلل الكف، فإن شاهدي القطع يرجعان على شاهدي شلل الكف، بجميع أرش الكف، إلا أرش الأصبع فيكون الأصبع على اللذين شهدًا بالضربة خاصة وهذا بمنزلة الأمة وولدها.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف: إذا شهد شاهدان على عبد في يدي رجل لرجل وقضى القاضي بشهادتهما، ثم إن المشهود عليه اشترى العبد من المشهود له بمئة دينار، ثم رجع الشهود عن الشهادة، فالمشهود عليه يرجع على الشهود بالمئة إذا لم يصدقهما أن شهادتهما حق بعد أن رجعا عن الشهادة، وهذا لأن المشهود عليه لما اشتراه من المدعي فقد أقر أن الشهود شهدوا عليه بحق، فالشهود بالرجوع أكذبوا أنفسهم وزعموا أنهم ضامنون قيمة العبد، فإذا لم يصدقهما أن شهادتهما بحق، بل قال: شهدتما بباطل، فقد صدقهما فيما زعم، فرجع عليهما بمئة لهذا.
وعنه أيضًا شاهدان شهدا على رجل أنه عبد فلان وهو يزعم أنه حر، وقضى القاضي به للمدعي، ثم إن المدعي كاتب العبد على مال معلوم وأداه إليه ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما، قال: أضمنهما ما كاتبه المولى عليه إلا إذا ازداد المكاتبة على الدية فحينئذٍ لا ضمان عليهما في الزيادة على الدية.
وإذا شهد شاهدان لرجل بعبد في يدي رجل والمشهود عليه يجحد ذلك، وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا عن شهادتهما، وضمنهما القاضي القيمة فأدياها أو لم يؤديا حتى وهب المشهود له العبد للمشهود عليه، وقبضه المشهود عليه فقد برء الشاهدان عن الضمان، وإن كانا قد أديا الضمان رجعا على المشهود عليه بذلك؛ لأنه وصل إلى المشهود عليه بزعم المشهود عليه والشاهدين عين العبد الذي أزاله الشاهدان عن يده بحكم قديم ملكه لا بالهبة؛ لأن في زعمهم أن العبد لم يصر ملكا للمشهود له بقضاء القاضي، بل بقي على ملك المشهود عليه؛ لأن القاضي إنما قضى بالملك مرسلًا، والقضاء بالملك المرسل ينفذ ظاهرًا لا باطنًا بالإجماع، فبقي العبد على ملك المشهود عليه بزعم الشاهدين والمشهود عليه، إلا أنهما كانا يضمنان قيمته لإزالة يد المشهود عليه من العبد؛ لأن إزالة اليد تكفي لإيجاب الضمان.
كما في الغصب إذا ثبت هذا فنقول: إذا وصل العبد إلى المشهود عليه بالهبة وقد وصل إليه قديم ملكه بزعمه وزعم الشاهدين، فهو نظير ما لو وصل المغصوب إلى المغصوب منه من جهة الغاصب الثاني بالهبة، وهناك يبرأ الأول عن الضمان كذا هاهنا، قال: فإن رجع الواهب في الهبة واسترده رجع المشهود عليه على الشاهدين بالضمان؛ لأن بالرجوع زال العبد عن يد المشهود عليه بشهادتهما، فإنه لولا شهادتهما بالملك له لما تمكن من هبته منه والرجوع فيه، فزوال يده عن العبد بعد الرجوع في الهبة مضاف إلى شهادتهما.
ولو مات المشهود له فورث المشهود عليه بزعم المشهود عليه والشاهدين عين العبد الذي أزاله الشاهدان في يده بحكم قديم ملكه لا بالميراث على ما بينا، فيوجب براءة الشاهدين عن الضمان على ما مرّ.
وكذلك لو قتل العبد في يد المشهود له وأخذ المشهود له قيمته، ثم مات المشهود له وورثه المشهود عليه ملك القيمة من المشهود له، برئ الشاهدان عن الضمان؛ لأن في زعم المشهود عليه والشاهدين أنه وصل إليه بدل عبده ووصول البدل كوصول العين، فكأنه وصل إليه عين عبده.
قال: وكذلك جميع الأشياء من الدَّين وغيره يريد به أنهما إذا شهدا عليه بدين أو عين، وقضى للمشهود له بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما ثم مات المشهود له ورث المشهود عليه ذلك، فقد برئ الشاهدان عن الضمان والمعنى ما ذكرنا.
ولو قتل العبد في يد المشهود له وأخذ القيمة من القاتل، فهلكت القيمة في يده، ثم مات المشهود له، وورثه منه المشهود عليه مثل تلك القيمة برئ الشاهدان عن الضمان، لأن في زعم المشهود عليه أنه وصل ذلك إليه من حساب القيمة لا بجهة الميراث، لأن في زعمه أن قدر القيمة صار دينًا له في تركة المشهود عليه، والدين يقوم على الميراث، وكذلك إن كان مع المشهود عليه وارث آخر وحصة المشهود عليه بقي تلك القيمة، برئ الشاهدان عن الضمان أيضًا، ويحعل ذلك سالمًا له بحساب القيمة لا لجهة الإرث كما زعم هو.
وإذا شهد شاهدان لرجل بدار في يدي رجل آخر، وقضى القاضي بالدار للمشهود له بشهادتهما ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يضمنان قيمة الدار، وهذا بلا خلاف؛ لأن ما يجب على الشهود عند الرجوع ضمان الإتلاف؛ لأنه بالشهادة أزال العين عن ملك المشهود عليه بغير حق والعقار يضمن بالإتلاف بالإجماع، فإنه لو هدم البناء ونقل التراب يضمن بالإجماع.
رجل في يديه عبد شهد شاهدان أنه ملك هذا، وقضى القاضي به ودفعه إليه، ثم شهد شاهدان آخران لرجل ثالث بمثله على المقضي له الثاني، وقضى القاضي به، ثم رجع الشهود جميعًا عن الشهادة، ضمن كل فريق قيمة العبد كلها للذي شهد عليه؛ لأن كل فريق أتلف على المشهود عليه العبد، فيضمن له قيمة العبد.
فرق بين هذا وبينما إذا شهد شاهدان بالوصية لرجل بالثلث، وشهد آخران بالرجوع عن الوصية الأولى والوصية بالثلث لغيره، وشهد آخران بمثله ثم رجعوا، لم يضمن الفريق الأول لأحد، والآخران لا يضمنان للوارث شيئًا، وهنا كان كل فريق يضمن للمشهود عليه قيمة العبد، والفرق بينهما وهو: أن الاستحقاق بالوصايا استحقاق على الميت، لأن كل فريق لما شهد بالرجوع فقد شهد أن الموصى له عاد إلى ملك الميت، فما ثبت من الاستحقاق بشهادة الفريق الأول فهو قائم بالثاني والثالث، ولم يمكن تضمين الفريق الأول للوارث، وكذلك الفريقان الآخران لا يضمنان للوارث؛ لأن ما أوجبا كان مستحقا على الميت قبل شهادتهما، فإذا صار الحق مستحقًا على الميت بكل شهادة لم يضمن فريق للوارث؛ لأن رجوع كل فريق لا يقصر في حق الفريقين الآخرين، فيصير في حق كل فريق كأن الآخرين ثابتان على الشهادة، فلهذا لا يضمن فريق للوارث شيئًا.
أما في مسألتنا فالاستحقاق بكل بينة إنما يثبت على الذي شهد عليه ذلك الفريق لا غير لما عرف أن القضاء بالملك المطلق لا يتعدى إلا إلى من يدعي تلقي الملك من المقضي عليه، وأحد هاهنا لا يدعي تلقي الملك من غيره، فصار الاستحقاق بكل بينة استحقاقًا على من قامت عليه تلك البينة، وهذا ليس بثابت بينة أخرى فلم يكن ما أوجبه كل فريق ثابتًا بشهادة الفريقين الآخرين، فيضمن كل فريق للذي عليه شهد تمام القيمة، ألا ترى أن في مسألتنا هذه، وهي مسألة دعوى الملك المطلق، لو وجد الفريق الأول من الشهود عبيدًا حتى بطل ذلك الحكم كله، وفي مسألة الوصية لو وجد أحد الفرق الثلث عبيدًا يبقى الاستحقاق على الوارث، وهذا يدل على أن المستحق بجميع البينات في باب الوصية شيء واحد.
وفي (المنتقى): رجل ادعى أمة في يدي رجل أنها أمته، وقضى القاضي له بالأمة، وقد كانت الأمة ابنة في يد المدعى عليه ولم يعلم القاضي بها، فأقام المدعي بعد ذلك بينة أنها ابنتها، فإن القاضي يقضي له بالابنة أيضًا تبعًا للأم، فإن قضى القاضي بذلك ثم رجع الشهود الذين شهدوا على الأم أنها للمدعي عن شهادتهم، فإنهم يضمنون قيمة الأم وولدها، وقد مرت المسألة من قبل، قال: ويستوي في هذه المسألة أن يكون القاضي قضى بذلك معًا، أو قضى بالأم ثم بالولد بعد ذلك؛ لأن المعنى لا يوجب الفصل.
قال: ولو ادعى أمة في يدي رجل وأقام بينة أنها أمته، وقضى القاضي بها ثم أقام المدعي بينة على ألف في يد المدعى عليه أنها للأمة، وقضى القاضي بها للمدعي، ثم رجع اللذان شهدا بالأمة فإن القاضي يضمنهم قيمة الأمة، ولا يضمنهم من المال شيئًا، ولا يشبه المال هنا الولد؛ لأن المال مال الأمة والولد ليس مال الأمة، ألا ترى أن الأمة خصم في مالهما حتى تقبضه، وليس بخصم في ولدها، وألا ترى أن المال لو كان في يد غير المدعى عليه فأقام المدعي شاهدين بأنه مال الأمة يقضى به، وليس الولد كذلك.
فإن الولد لو كان في يد غير المدعى عليه وشهد عليه الشهود أنه ابن تلك الأمة لم يستحقه المدعي بشهادتهم وإنما استحقه إذا كان في يد المدعى عليه. وقد قال أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله: لو أن رجلًا أقر بألف في يديه أنها كانت لهذه الأمة، ثم قال إنها كانت لها قبل أن يملكها حولاها هذا لم يصدق على ذلك، وكانت الألف لمولى الأمة هذا، ولو أقر بصبي في يديه أنه ابن هذه الأمة ثم قال إنما ولدته قبل أن يملكها مولاها هذا كان القول قوله، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.